تقارير وملفات

القرارات الاقتصادية صانعة الإيجابيات وقاهرة السلبيات

كل القرارات الاقتصادية لها جانبان، أحدهما إيجابي والآخر سلبي، ودور صانع القرار تعظيم الإيجابيات، وتقليص أثر السلبيات، واختيار أي فئة تستفيد، وأي فئة تتضرر.

وهذا ليس مرتبطا فقط بقرارات تقليص الإنفاق أو زيادته، بل باستغلال أي مورد جديد للإنفاق على مصارف جديدة، لأن هناك دائمًا “فرصة بديلة” للإنفاق على بند آخر في توقيت آخر.

اتخذت الحكومة قرارًا برفع أسعار الوقود والكهرباء في إجازة عيد الفطر الماضي، في إطار اتفاق مع صندوق النقد الدولي لتحرير أسعار الطاقة بشكل تدريجي. وأضر القرار بالقوى الشرائية للمستهلكين، وبالقدرات الإنتاجية أيضًا في المدى القصير، أما على المدى الطويل فإن الأمر يختلف .

وتسببت سياسات الدعم المستمرة في تشوه النمط الاستهلاكي المصري، وتسببت في اعتماد الاقتصاد على الاستهلاك كمحرك للنمو، لا على الاستثمار كما في كثير من الدول النامية، ووفقًا لبيانات البنك الدولي فإن متوسط استهلاك المواطن المصري من الوقود زاد بنسبة 715% منذ عام 1971، وزاد متوسط الاستهلاك من الكهرباء بنسبة 723% في نفس الفترة.

وهذا ما أدى إلى ارتفاع كبير في نسبة استهلاك هذين المكونين في سلة السلع المصرية، مقارنة بباقي دول العالم في نفس فئة الدخل “الدول ذات الدخل المتوسط المنخفض”، ليتجاوز متوسط استهلاك الفرد المصري من الكهرباء 1600 كيلو وات/ ساعة، مقارنة بأقل من 800 كيلو وات/ ساعة في تلك الدول.

وفي جانب الصناعة يوجد في مصر عدد كبير من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الحديد والصلب والأسمنت والأسمدة والزجاج وغيرها، على الرغم من أن مصر دولة كثيفة السكان، وتحتاج إلى صناعات كثيفة العمالة.

ومن المتوقع أن تؤدي الزيادات المتتالية في أسعار الطاقة إلى تغير هيكل الصناعة والتوسع في الاستثمارات كثيفة العمالة في السنوات القادمة، مع إتاحة فرص أكبر لنمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، القائد الطبيعي للتوظيف والنمو.

هذا بجانب إلى أن تأثير رفع أسعار الوقود على معدل التضخم قد يكون “أقل من المرات السابقة”، ويرجع هذا في الأساس لاتباع البنك المركزي سياسات صارمة للسحب السيولة من السوق، فبينما بلغ معدل التضخم 11.4% في مايو الماضي، أبقى المركزي على عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند مستوى 16.75% و17.75%على الترتيب. وببقاء أسعار الفائدة أعلى من معدلات التضخم يكون الادخار خيارا رشيدا للمواطنين، ويحتوي التضخم.

ومن المتوقع أيضاً نجاح البنك المركزي في تحقيق هدفه في إبقاء معدل التضخم بين 10% و16% بنهاية 2018.

إن الاستهلاك سيتأثر سلبًا برفع أسعار الوقود، وبالتالي سيتأثر النمو بالسلب على المدى القصير، ولكن هذا الأثر سيتلاشى على المدى الطويل.

وفي عام 2016، كان الاستهلاك يستحوذ على 84% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 16% للاستثمار، مقارنة بمنطقة الشرق الأوسط والدول منخفضة ومتوسطة الدخل التي تخصص 30% للاستثمار وما بين 60% و65% للاستهلاك، وما بين 5% إلى 10% للإنفاق الحكومي وصافي الصادرات، بينما يلتهم صافي الصادرات “السالب” الإنفاق الحكومي الضئيل “الموجب” في مصر.

ويرى “مركز دلتا للأبحاث” أن التخفيض المستمر لدعم الطاقة، وسياسات البنك المركزي المشجعة على الادخار ستمنح مساحة أكبر للاستثمارات والصادرات “السلعية والخدمية” لقيادة الناتج المحلي الإجمالي نحو النمو، وهذا بالفعل ما حدث منذ بداية برنامج الإصلاح الاقتصادي في 2014.

وعبر آليات علم الاقتصاد يؤدي هذا الإصلاح في النهاية لانخفاض الفجوة بين معدلات الادخار المتدنية ومعدلات الاستثمار المستهدفة، ما يزيل عن الدولة عبء الاستدانة المحلية والخارجية، وبالتالي يخفض الفجوة بين إيرادات الدولة ومصروفاتها، “عجز الموازنة”، والفجوة بين واردات الدولة السلعية والخدمية وصادراتها، “عجز الحساب الجاري”.

أما إجابة دلتا عن سؤال: “من يتحمل العبء الأكبر لزيادة أسعار الطاقة؟” فكانت أنه “من حيث القيمة المطلقة، فإن أصحاب الدخل المرتفع والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة ستتكبد خسائر أكبر، ولكن من الناحية النسبية، فإن أي زيادة في الأسعار تؤثر على الفقراء بشكل كبير، لأنهم يخصصون نسبة أكبر بكثير من إجمالي دخلهم “الأصغر بكثير” للوقود والكهرباء والمواصلات والسلع التي ستتأثر بزيادات أسعار الطاقة”.

وأشارت دراسة أعدها المركز، إلى أن شبكة الحماية الاجتماعية لن تغطي أثر رفع الأسعار بالكامل، فبند الدعم والمنح، رغم زيادة قيمته، ينخفض وزنه النسبي في الموازنة المصرية كنسبة مئوية من مجموع النفقات في ميزانية 2018/ 2019، وتتوجه النسبة الأكبر من الإنفاق لسداد فوائد القروض.

كما يرجح “مركز دلتا للأبحاث” ألا تعوض تدفقات الاستثمار إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة الانكماش والتباطؤ الذي ستواجهه الصناعات كثيفة الطاقة، ما قد يؤدي إلى تباطؤ النمو على المدى القصير والمتوسط.

كتب
محمد عيد
الوسوم
إغلاق