fbpx
اخترنا لكثقافة وفن

“البحث عن الإنسان” في العدد الجديد من سلسلة “شرفات” بمكتبة الإسكندرية

صدر عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية العدد الرابع من سلسلة “شرفات” بعنوان “البحث عن الإنسان: الدين، التقنية، الهوية”، للدكتور خالد عزب؛ رئيس قطاع المشروعات والخدمات المركزية بمكتبة الإسكندرية.

ينطلق الدكتور خالد عزب من فكرة هرمية المجتمعات ودور تركيز السلطة في زيادة الانتاج، ويتطرق إلى إشكاليات الهوية ومستقبل الثقافة وإنتاج المعرفة في عصر الانترنت، كما يتناول دور التقدم التكنولوجي في تغيير المجتمعات، وأهمية النظم الثقافية المعقدة.

ويقول عزب إن الدول تقوم على التسلسل الهرمي للمجتمع، عكس القبيلة أو المجتمع البدائي الذي يوجد فيه مستوى واحد من السلطة أعلى من إنتاج المواد الغذائية لهذا المجتمع، ذلك المجتمع الذي يقيم فيه الرئيس جنبًا إلى جنبه مع رفاقه والحرفيين والخدم. وفي الدولة هناك مستويات متعددة للسلطة، وهي معقدة تؤدي إلى تركيز القوة «السيطرة»، التي تحتاج إلى زيادة أكبر في الإنتاج، وتنوع في أدوات الإنتاج، وتبادل سلعي وقيم روحية، هذا كله يقود إلى تسلسل هرمي في المجتمع، وإلى ظهور عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية بين الصيادين والفلاحين والتجار ورجال الدين وممثلي السلطة والإدارة، وهو ما يشير إلى هرمية السلطة والمجتمع. وهناك بعض المجتمعات الصغيرة من الناس ربما ينجحوا في تشكيل مجتمعات متساوية أو مجتمعات غير هرمية، ولكن هذه الفئات المجتمعية لا يمكن أن تتجاوز أعدادها أكثر من بضع مئات من الأشخاص، ويتم ذلك عن طريق عدم تطوير بعض أشكال التسلسل الهرمي.

وعن نجاح الطبقات الحاكمة في إحكام قبضتها، يقول عزب إن هناك طريقة واحدة لتنظيم المجتمعات في الدول، وهي تقسيمها إلى طبقات أو طوائف وفقًا لوظائفها، ويلعب الدين هنا دورًا مهمًّا فضلاً عن كلٍّ من الرقص والرياضة والحرف والجماعات التطوعية. وهذه الأنشطة لا تعتمد على الأقارب. ولكنها كانت مفيدة في الحد من الثورات والخلافات بين الأقارب على السلطة أو الثروة أو النفوذ السياسي. وهناك عامل محدد آخر أدى إلى تقدم المجتمعات ونمو سطوة الدولة، وهو التخصص، والذي أدى إلى إيجاد تكنولوجيا جديدة طوال الوقت. وبفضل المتخصصين استطاعت الطبقة الحاكمة إقامة علاقات اجتماعية وثيقة لتبادل المعلومات وتوطيد التحالفات التي رفعت من كفاءة أداء تنظيمات الدولة، التي تعضد في النهاية من قوة السلطة، هذا ما انعكس على تراتبية احترام المتخصصين، وانعكس على مدخلاتهم أيضًا، وكلما زاد عدد التخصصات مع التقدم العلمي، زادت الرفاهية في المجتمعات. لكن في السنوات الأخيرة، أخذت وسائل التواصل الاجتماعي- كمنتج علمي- تأكل من هرمية الدول، وتهدد حتى آليات ممارسة السلطة، حتى رأينا أن هذه الوسائل تسقط أنظمة سياسية، أو ربما تتسبب في إقالة مسئول، فهل هناك آليات جديدة لممارسة نوع جديد من السلطة يعتمد على الرأي العام المتبلور عبر الوسائط الإعلامية الجديدة؟

وينتقل عزب إلى نقاش الهوية والثقافة، حيث يؤكد أننا أصبحنا في عصرنا هذا في حاجة ماسة إلى من يتيحون الخطابات التي تصيغ هوية الجماعة وقيمها وبثها في الزمان والمكان… حيث إن تذبذب هوية المجتمعات وتعزز ثقتها في ذواتها أدى إلى صعود خطابات العنصرية أو الانكفاء على الذات الوطنية، بل حتى الشعور بالقلق من الأقليات المهاجرة، وبث الصورة التي تعكس طبيعة المجتمع ووعيه بذاته بصورة مقنعة بات مشكلة كبرى، إذ إنه في عصر الإنترنت صار هناك قذف مستمر عبر هذه الشبكة التي يتلقف المتفاعلون معها آلاف المعلومات والرسائل والإشاعات بل والمضامين يوميًّا، فكيف يتم تشكيل الوعي الوطني والذات الثقافية في ظل هذا القذف اليومي؟، فإدراك المجتمع لذاته بات متذبذبًا؛ إذ يتقوقع أفراده داخل الشبكة الرقمية، سواء عبر الأجهزة اللوحية أو على شاشات الهاتف المحمول.

ويقودنا الحديث إلى الجدل العميق على الساحة الدولية حول مستقبل الثقافة، ففي كل دولة يبدأ الحوار من دور المثقفين، إلى تحديد أهمية هؤلاء المثقفين، إلى دور الثقافة في بناء خصوصية المجتمع والدولة، ومن هنا فإن المثقف له دور كبير في ذلك، وهو من يعمل في أي مجال من مجالات إنتاج المعرفة أو نشرها. فقد كان المثقف عند العرب هو من يختزن في ذاكرته كمية كبيرة من المعلومات ليرتبها ويستعرضها أمام جمهوره أو في مقالاته أو كتبه، لكن كان هذا في الماضي، ولكن الآن عليه أن يقدم رؤاه في صورة مركزة مقنعة تحمل تحليلاً ونقاشًا.

وفي عصر بات فيه العالم مفتوحًا على شبكة الإنترنت لفرض الذات، ظهر مصطلح «الفجوة الرقمية»، كما فرضت بعض الدول رقابة تفاوتت من دولة لأخرى، وصلت إلى حد الحجب لبعض المواقع على شبكة الإنترنت إلى الرقابة الصارمة إلى الرقابة عن بعد. على جانب آخر، فإن «الفضاء الرقمي» صار فضاءً تمارس من خلاله الدول وجودها في خدمة المجتمع، فاختزلت الدولة في تعاملات عبر شبكة الإنترنت، فصارت الحكومات غير مرئية، لكن هذا النوع من الحكومات أصبح أكثر فاعلية، وأكثر شفافية وضد البيروقراطية.

ويتحدث عزب عن أثر التقدم التكنولوجي في تغيير منظومة القيم وبالتالي تغيير المجتمعات. فقد أدى المعدل السريع للتطور التكنولوجي إلى حدوث خلل اجتماعي، فأصبح هناك ما نسميه “القيم المهجورة”، هذه القيم يرى البعض أن غيابها يؤدي إلى انزلاق المجتمعات للمجهول، وأصبحت العزلة الفردية أزمة تعاني منها المجتمعات، لدرجة توحد الفرد مع وسائل التواصل الاجتماعي في العالم الافتراضي. ويقودنا ما سبق إلى طرح تساؤل هام: هل تتغير العلاقات الاجتماعية استجابة للتغيرات التي تحدثها التكنولوجيا بكافة أشكالها، وهل يتغير معيار القيم لكي يتكيف مع التغيرات الحادثة؟

ومن هنا يتناول خالد عزب أهمية النظام الثقافي في المجتمعات، مبينًا أن العديد من الأفراد يحلمون بتحرير أنفسهم من النظام الثقافي المعقد، بينما نحن قادرون على إعادة تشكيل نظام ثقافي لجعله يتناسب مع تطلعاتنا نحو الأفضل، إننا لا نستطيع أن نعيش بدون نظام ثقافي يحدد طبيعة تفاعلنا، ولا يمكننا أن نختار ما إذا كنا نشارك في النظام الثقافي أم لا، إلا إذا كنا لا نريد أن نبقى على قيد الحياة؛ فبدون المشاركة في نظام ثقافي وتعلم قواعد مناسبة للمشاركة والتفاعل، لا يمكن أن تستمر بنا الحياة أو يتحقق التطور في حياتنا، ومثلما أن الناس لا يستطيعون الاستغناء عن الأدوات التكنولوجية فإنهم غير قادرين على البقاء على قيد الحياة بدون الأدوات الثقافية المعرفية التي تمكنهم من العمل في مجتمع معقد.

ويضيف: “الحقيقة التي نتغافل عنها أننا كبشر مقيدون، حتى الملوك والوزراء والنخبة، مقيدون. هذه القيود هي نتاج النظام الثقافي؛ لذلك فإن علينا دعم هذا النظام وخصائصه، والذي يكون عادة معقدًا وأحيانًا غير مفهوم بالنسبة لنا. حتى لو شعرنا بأنه يعمل ضد مصالحنا الشخصية بقيوده، فهذه القيود هي التي تحد من قدرة من هو في أعلى التسلسل الهرمي لمصلحة مَنْ هو في أدنى التسلسل. من هنا تأتي أهمية الثقافات المعقدة والمركبة؛ فمن خصائصها أنها تعيد بناء نفسها بنفسها وفق مقتضيات السياق الزمني، بل تتيح للمجتمع القدرة على التعايش حتى بمتناقضاته على نحو ما هو حادث في الثقافة الهندية بكل تناقضاتها، بل نرى قدرة مصر على التعايش بصورة مذهلة منذ غزو الإسكندر إلى الفتح العربي إلى العصر الحديث، فكم مرة أعادت الثقافة المصرية إنتاج نفسها عبر العصور؟!”

زر الذهاب إلى الأعلى