fbpx
الرأي

رضوان السيد يكتب : مشهدية الصراع الدولي على المنطقة والمأزق العربي

ذكّر الفيتو الروسي على مشروع إدانة التدخل الإيراني في اليمن، بالحرب الباردة بالفعل. وهو الأمر نفسه، وإنْ بشكلٍ أكبر فظاعة، ما حصل في مجلس الأمن بشأن الغوطة. فمع أنّ قرار الهدنة العسكرية والإنسانية أُقِرَّ أخيراً، بعد عدة فيتوات روسية؛ فإنّ الاشتراطات الكثيرة، والحالات المتداخلة التي ظهرت كلها في القرار، تجعل من تطبيقه أمراً يشبه الاستحالة. وقد صار من المعروف أنّ هذه المناطق، وليس في الغوطة فقط؛ بل وفي شمالَ حمص وحلب، وقرى إدلب، تبقى معرَّضة للتهجير أو الإخضاع أو الأمرين معاً خلال عام 2018.

لقد كان ينبغي أن تشعر روسيا الاتحادية بالراحة بعد الجهود العسكرية الجبارة والدبلوماسية التي بذلتها طوال 3 سنوات. وبخاصة أنّ لديها حليفين إقليميين كبيرين هما إيران وتركيا. لكنها لا تبدو كذلك. وأول الأسباب هو استيلاء الولايات المتحدة على مناطق شمال شرقي سوريا ذات الثروات البترولية والغازية ومجاري المياه. وإذا كان الروس لهم في سوريا نحو 20 ألف عسكري، إضافة إلى الميليشيات الرسمية وغير الرسمية؛ فإنّ الولايات المتحدة لها ما يزيد على 5 آلاف عسكري أميركي في سوريا؛ إضافة إلى الميليشيات الكردية، والأخرى العربية في التنف وغيرها. وقد كان المعتقد أنه بعد القضاء على «داعش»؛ فإنّ معظم العسكر الأميركي سينسحب. ولذلك أعلن الأميركيون عن إنشاء قوات كردية تقدَّر بثلاثين ألفاً تخلُفُ الأميركيين في حفظ أمن مناطقهم، ومنع عودة «داعش». وما أوقف ذاك التطور أو عدّله هي المعارضة التركية والتدخل في عفرين؛ بل مؤتمر سوتشي بالذات، إذ اندفعت روسيا للتخلص من مسار جنيف، واجتراح حلّ سياسي لا يشاركها فيه غير الإيرانيين والأتراك على تردد. وقد حالت الولايات المتحدة دون حضور المعارضتين السوريتين المسلحة والسياسية في مؤتمر سوتشي فتصدع وفشل. والسبب الثالث للتوتر الروسي بعد تصدع حلّها السياسي، هو كثرة المطالب على بوتين ولافروف من جانب الحلفاء بالذات. والحلفاء ثلاثة الآن، وليسوا اثنين، وهم: إيران وتركيا… وإسرائيل. فلإيران وتركيا قوات على الأرض السورية وميليشيات، وهي تكاد تصطدم بسبب التنافس هنا وهناك في شمال سوريا. ثم إنّ إيران تتوق إلى الاقتراب من الحدود الإسرائيلية والأردنية مثلما فعلت في لبنان. وإسرائيل تهدد بالحرب، ويكون على روسيا منع الحرب بالضغط على الطرفين، لأنّ القتال إذا نشب لا تُعرفُ نهاياته وتداعياته، ومن المؤكَّد أن يؤثر على موقع روسيا في سوريا، إذ منذ الآن يجري الحديث عن الصراع الإيراني – الإسرائيلي في سوريا، وربما في لبنان.

والولايات المتحدة ليست مرتاحة، لأنها تخشى التورط في النزاع التركي – الكردي، والروس والإيرانيون والنظام السوري لهم مصلحة في إغراقها، كما يغرقون هم. لكنّ واشنطن أكثر راحة في سوريا من روسيا بكثير، فعندها رهينة من جهة وتقول إنها لن تفرج عنها إلا بعد ضمان الأمن لأكراد سوريا، وحصول الحل السياسي الذي يُخرجُ الميليشيات من البلاد. وفي كل وقت تُحرج روسيا في حكاية مجلس الأمن بسبب حصار المدنيين وقتلهم، وبسبب الكيماوي، وبسبب الانقفال الذي يُعاني منه المسار السياسي. وهكذا فإنّ المشهد انقلب لتصبح روسيا هي رمز الهيمنة، وممارِسة الإمبريالية، والمتعرضة كل الوقت للإدانات التي تواجهها بالفيتوات! والتي تجيبُ عنها بأنها تريد تقوية جيشها أربعة أضعاف، وتريد تجربة أسلحتها الجديدة الهائلة، رغم أنّ الذين تقاتلهم لا يملكون الطائرات، بل ولا يملكون المدفعية والدبابات والصواريخ بالغة الهول! الروس يعلمون أنّ المسألة ليست مسألة من يملك سلاحاً أكبر، بل للقوة وجوهها كثيرة التعدد، والولايات المتحدة قدراتها أكبر كثيراً، إنما إذا كانت مهتمة.. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

هذا هو المشهد الجديد للصراع الحادّ (دبلوماسياً على الأقل) بين الروس والأميركيين، وهو يُلقي بظلاله على المشهد كلّه!

أين العرب؟ هم في مأزقٍ كبير. فالقتال بأكمله دائرٌ على أرضهم، والمقتولون والمهجَّرون منهم في سوريا واليمن وليبيا، ومن قبل في العراق. وهم لا يستطيعون التعزّي بأنّ الولايات المتحدة أقرب إليهم مما هي قريبة من إيران وتركيا بالطبع. لكنّ ترمب مع إسرائيل في شتى القضايا وفي الطليعة مسألة القدس، وعملية السلام. وإذا كانت روسيا تحت وطأة الفيتو في سوريا، فالولايات المتحدة تحت هذه الوطأة في مسألة فلسطين والقدس. ثم إنهم جميعاً، أي العرب، لا يملكون مواجهة أيٍّ من الطرفين الكبيرين إلى حدود الخصومة أو العداوة، كما أنهم، باستثناء فلسطين، لا يستطيعون الاتفاق على مقادير الحدّ الأدنى. وهم لا يستطيعون التوصل إلى حلولٍ حتى في الحالات التي لم تدخل حتى الآن في الصراع الأميركي- الروسي الحادّ مثل ليبيا. وإلى ذلك فإنّ علاقاتهم بالطرفين الإقليميين الإيراني والتركي، شديدة السوء أو متوسطة السوء، وفي كل الأحوال ليس هناك تنسيق ممكن حتى الآن مع الطرفين، حتى في حالة فلسطين. ويرجع ذلك في حالة إيران إلى المزايدة التي تميز سياساتها كل الوقت، وأنّ أطماعها في الأرض العراقية والسورية واللبنانية لا تقل هولاً عن أطماع إسرائيل الاستعمارية في فلسطين، أما تركيا التي تبدو متحمسة لفكّ الحصار عن غزة؛ فإنها لا ترى داعياً للتنسيق في المواقف مع العرب، وعلاقاتها بإسرائيل جيدة، وهي تريد مصارعة مصر، إنْ كان في السودان، أو كان في حقول الغاز البحرية بالحجة القبرصية!

وهناك عزاء آخر في هذا النزاع المستشري بين أميركا وروسيا، هو أنّ الطرفين لا يرغبان في التصادُم بالفعل كما هو الشأن بين الدول ذات القدرات النووية. لكن من ناحية أُخرى ما عادت واحدة منهما الآن مستعدة للعمل بجدٍّ مع الأخرى – ولو عبر مجلس الأمن- لحلولٍ سياسية لمختلف المشكلات، وإنما داخلَ ذلك كلّه التصادم، حتى في اليمن الذي من المفروض أنه لا ناقة فيها لإحداهما ولا جَمل!

لقد كان الغياب العربي عن العراق وليبيا ولبنان ثم عن سوريا فاجعاً. لكنه صار أكثر من ذلك الآن حين صارت تلك الدول معرضة للتصدع، ولاستعمار الميليشيات التابعة لهذه الدولة أو تلك، وآخِرهم المرتزقة الروس الذين قتل الأميركيون بعضهم في دير الزور.

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

زر الذهاب إلى الأعلى