أكتب

أحمد ربيع أبوسيف يكتب: مراهقون كُهّل

جلست يوما أحدث نفسي  وفكرت ملياً في ذلك السرداب إنه سرداب عميق خيم فيه الظلام ومن يسير فيه يزداد به الظلام حلكة، سرداب موحش شائك ويمتليء طريقه بالعثرات..عثراتٌ تلو عثراتٍ ..نعم. من يدخل ذلك السرداب لا يستطيع الخروج منه إلا بشق الأنفس..فهناك أناس قد جنى عليهم القدر ودخلوه فمنهم من دخل اليأس الى صدره حتى ملأ جسده وعقله فذلك الشخص يستسلم ويترك نفسه لذلك السرداب المهين  يهوى به كما يشاء حتى يبليه كما أبلى غيره من قبل، ومنهم من لديه بعض الأمل يريد أن يخرج .. محاولة بعد محاولة .. تتوالى محاولات  الخروج  حتى ينجح بالفعل من رؤية ضوء بعيد فيستعيد ما قد فُقد من أمل وما إن يصل إلى ذلك الضوء بعد ما أصاب جسده الضعف وأصبح هزيلاً خاملاً مترهلاً .. حتى يرى نفسه في حفرة عميقة لدرجة لا يستطيع الصعود لأعلى …فينادي «الحقوني..الحقوني..يا بشر..أنتو فين» ولكنه للأسف لا يجد من يغيثه أو يأخذ بيده على الرغم من سماع الناس لندائه ولكنهم لا يجيبوه … نعم يا سادة .. لايجيبوه

للأسف ذلك السرداب موجود وأولئك المراهقون موجودون ولكن لا أعلم هل أعمى المال أعين البشر؟! أم أن قلوبهم أصبحت من حجر؟!

فالسرداب هو «الحياة» وأولئك المراهقون  هم «أطفال الشوارع» أولئك الأطفال الذين لا مسكن لهم يحميهم من ظلمات الليالي ولا من نظرات الأهالي فهم  يسكنون بيوتًا أسقفها السماء ويلتحفون بتراب الأرض…نعم إنهم أطفال أبرياء…ليس لهم ذنب في تلك الحياة سوى أنهم وُلدوا مشردين ..وُلدوا دون أهل يحمونهم من ذل الحياة وهيمنة الطغاة … وُلدوا ليعيشوا حياة بائسة يائسة..لا يستطيعون مقاومة الحياة. لا يستطيعون مقاومة حديث الناس عنهم فبعض الناس يرون أن أولئك الأطفال ليس لهم مكان بين البشر …فيتهمونهم بجرائم لم يرتكبوها وأفعال لم يفعلوها . ولكن  هيهات من كلام البشر.

ذات يوم رأى أحدهم طفلاً في سن المراهقة رآه يشرب السجائر ويلبس في يديه ما يسمى بـ «الحظاظات»،رأى شعره الجميل المجعد ولكنه لا يعطي له اهتماما ويلبس بنطالاً ممزقاً قد أبلاه الزمان وجسده النحيف الذي يضيق صدرك إذا رأيته ويجلس في أحد أزقة الشوارع….على الرغم من ذلك قال له كلمات قبيحة يوبخه على شكله وعلى ما يفعله .

ليرد عليه الصغير قائلا: «همي أني ولدت مشردا..ولدت ولم أجد من يحنو علي أو يرفق بي فما كان لي إلا أنني أصبحت هزيلا ..وكلما طلبت مساعدة من أحدهم عنفني .. حتى أصبحت على هذه الحالة .. فأنت قد ولدت بين أهلك أما أنا فقد أهلكتني الليالي .تبا لك».

فمراهق مثل هذا أصبح كهلاً … أوقفوا ما تفعلون يا بشر!! … ساعدوا أولئك الأطفال بكل ما تستطيعون .. أرفقوا بأولئك المراهقون … يكفيكم ظلماً لهم …يكفيكم حديثا عنهم.. ساعدوهم يرحمكم الله.

 كلية الدراسات ألاقتصاديه والعلوم السياسية جامعة بني سويف

الوسوم
إغلاق