الرأي

الإطار الدستوري للقرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية

الدكتور عادل عامر

إن هذه الاستثناءات المعدودة تفيد في رسم إطار القرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية، وتحول دون إيذاء الجهاز التّنفيذيّ جوهرَ صلاحيّات الجهاز التّشريعي. فأحد أكبر الانتقادات الموجهة إلى القرارات هي أنها تفتح المجال بشكلٍ حقيقيٍّ لسيطرة الجهاز التّنفيذيِّ على سلطة الجهاز التّشريعي في إعداد القوانين الذي يعدّ من صلاحيّاته الأساسية.

 وسبب التوصل إلى مثل هذه النّتيجة هو المقارنة بين صلاحيّات مجلس الوزراء في النّظام البرلماني الحالي في إصدار قرارات بحكم القوانين مع صلاحيات رئيس الجمهوريّة في إصدار القرارات من دون الحاجة إلى البرلمان.

ففي النّظام البرلماني يمكن لمجلس الوزراء أن يستعمل صلاحيّاته في إصدار قرارات بحكم القوانين استنادًا إلى قانون الصّلاحية التي تأخذها من مجلس الشعب التركي الكبير. لكن يجب أن لا نتجاهل أن صلاحيّات السّلطة التّنفيذيّة في إصدار قرارات بحكم القانون في النّظام الحالي تتضمّن أيضًا إلغاء القوانين أو تغييرها ولاسيما في الفترات التي يُطبّق فيها نظام حالة الطوارئ. بيد أنه من الملاحَظ أن التّعديلات المذكورة في المقترح واردةٌ في إطارٍ أضيق، وأن صلاحيّات رئيس الجمهوريّة في إصدار القرارات محدودةٌ بالأعمال المتعلّقة بالجهاز التّنفيذي. ويبقى هنا الغموض الذي يحيط بحدود هذه القرارات التي سيتم اتخاذها من قبل رئيس الجمهوريّة محلًا للانتقاد.

نصادف تعديلًا من شأنه أن يسلّط الضوء على هذا الغموض، ويتّخذ تدبيرًا وقائيًّا ضد احتمال استعمال القرارات لانتهاك الحريّات والحقوق الأساسيّة الأمر الذي نراه كثيرًا في النماذج المقارَنَة. فيبيّن هذا التعديل بوضوحٍ أن القرارات الصادرة من قبل رئيس الجمهوريّة لن تكون لها علاقةٌ بأيٍّ من الحقوق والواجبات المذكورة في فصل الحقوق والواجبات الشخصيّة والحقوق والواجبات السّياسيّة في الدّستور.

عند التّطبيق يُمكن أن نقول: إن قرارات رئاسة الجمهوريّة تملك صلاحية تنظيم العمليّات البيروقراطيّة لرئاسة الجمهورية؛ أي الجهاز التّنفيذي. وهذا الوضع مذكورٌ أيضًا تحت حكمٍ في ا. ومن ثمّ فإن تعيين نوّاب رئيس الجمهوريّة والوزراء سيكون ممكنًا بقرارات رئيس الجمهوريّة. كما سيكون بالإمكان من خلال هذه القرارات تحديد أعداد الوزراء الذين سيُعيَّنون من داخل البرلمان ومن خارجه، وأسماء الوزارات، ومهام بنى تشكيلات الجهاز وصلاحياتها. ويمكن القول باختصارٍ إن التّرتيبات كافّة الخاصة بالوزارات يمكن إجراؤها عبر قرارات رئيس الجمهوريّة. ويلاحظ أن رقابة القرارات قضائيًّا من شأن المحكمة الدّستوريّة، وتأخذ هذه الرقابة معناها الأكبر عند التفكير في إمكانية ظهور تعارض بين القوانين والقرارات. ورغم الحكم الواضح في اقتصار القرارات على الصلاحيّات التّنفيذية؛ فإن تحديد القرارات التي تندرج في صلاحية الجهاز التنفيذي في مجال حماية التوازن الحساس بين السلطتين التنفيذية والتشريعية على وجه التحديد في المقترح يكتسب أهمية في هذه النقطة.

 لكن رسم حدود هذه الصلاحيّات وإطارها سيكون ممكنًا بالنص عليها بعباراتٍ واضحةٍ تخصّ التغييرات التي ستُجرَى في التّرتيبات القانونيّة المتعلّقة بالتّشكيلات الإداريّة. وتقترح هذه الترتيبات إمكانية إصدار رئيس الجمهوريّة القرارات في فترات حالة الطوارئ.

تنظم قرارات رئيس الجمهوريّة تحت عنوان (إدارة حالة الطوارئ)، وهي تشبه من حيث الأهداف القرارات بحكم القانون في حالة الطوارئ في النظام الحالي، والتي يصدرها مجلس الوزراء الذي ينعقد برئاسة رئيس الجمهورية. في حالة الطوارئ سيكون بإمكان رئيس الجمهوريّة أن يصدر قرارات بحكم القانون في موضوعات تستلزمها حالة الطوارئ من دون التقيّد بالحدود المبيّنة في وستُقدَّم هذه القرارات بحكم القانون إلى مصادقة المجلس في نفس اليوم الذي تُنشَر فيه في الصحف الرسمّية.

تعيين الموظّفين الحكومّيين وإقالتهم:

عندما ندرس النماذج المقارَنَة نجد أن رئيس الجمهوريّة في كثيرٍ من الأنظمة لديه صلاحيّة في تعيين كبار رجالات الدولة وإقالتهم نذكر من هؤلاء السّفراء والولاة ورؤساء البنك المركزي وغيرهم. والأساس المهمّ اللافت للانتباه في هذه الأمثلة هو أن رئيس الجمهورية يعيّنهم بموافقة الجهاز التّشريعي.

إن منح رئيس الجمهورية صلاحيّات تعيين الموظّفين الحكومّيين رفيعي المستوى يشكّل واحدًا من العناوين المهمّة لمقترح التّعديلات الدّستوريّة المتعلّقة بنظام الحكومة. التي تعطي هذه الصلاحيّة لا يوجد إطارٌ واضحٌ حول من هم هؤلاء الموظّفين. ولكن يمكن إصدار بعض التّخمينات انطلاقًا من بعض التّرتيبات القانونيّة التي حصلت سابقًا. وتحديد هؤلاء الإداريين من قبل رئيس الجمهورية بقراراتٍ يصدرها يشكّل موضوع الحديث عند الأخذ بالحسبان صلاحيّة رئيس الجمهوريّة في إصدار القرارات في هذا المضمار. صلاحيّة رئيس الجمهوريّة في توجيه رسائل إلى المجلس حول السّياسة الدّاخليّة والخارجيّة:

من النّتائج المهمّة للفصل التّام بين السّلطات في النّظام الرئاسيّ، قلّة عدد وسائط التّفاعل بين السّلطتين التّنفيذيّة والتّشريعيّة. ويمكن تليين هذا الوضع الذي يقلّل من قدرة الجهازين التّشريعيّ والتّنفيذيّ على التّأثير المتبادل بينهما؛ من خلال بعض الآليّات، وتوجيه الرئيس الرسائل إلى المجلس واحدةٌ من هذه الآليّات.

ينبغي ألا ينظر إلى توجيه رئيس الدولة الرسائل باعتباره جزءًا يختصّ بالنّظام الرئاسي وحده. فالدّول التي يُطَبَّق فيها النّظام الرئاسيّ مثل فرنسا وإيطاليا والنرويج والبرتغال واليونان وهولندا تمنح رئيس الدّولة صلاحية توجيه الرسائل إلى البرلمان دستوريًّا.

وإرسال الرسائل إلى الهيئة التّشريعيّة أسلوبٌ ينبغي النّظر إليه من خلال الصلاحية الممنوحة للرؤساء في تقديم اقتراحٍ بسنّ قانونٍ أو العدول عنه. وهذه الصلاحية أسلوبٌ يتعلّق بتأثير الرئيس على التّشريع في الأنظمة التي لا يحقّ للرئيس تقديم مشروع قوانين. وتتجلّى إمكانية تأثير الرئيس في العمليّة التّشريعيّة من خلال الرسائل التي يرسلها إلى الهيئة التّشريعيّة، ولاسيّما في المجالات التي تحتاج إلى تشريعاتٍ قانونيّةٍ.

هذه الصلاحية الممنوحة في حالاتٍ كثيرةٍ إلى رؤساء الدّول يمكن تفسير ورودها في بنود تعديلات الدّستور المقترحة بصفتها ترتيبًا يهدف إلى تقريب نظام الحكم المصَمَّم من نموذج النّظام الرئاسي. ويمكن النّظر إليه على أنه محاولة من أجل زيادة التّفاعل بين رئيس الجمهوريّة الذي لا يملك صلاحية تقديم مشروع القوانين والسّلطة التّشريعيّة، ووسيلةٍ من أجل تليين الفصل التّام بين السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة.

تعدّ الميزانيّة من الآليّات المهمّة التي تُناقش تحت عنوان الرقابة والتّوازن في أنظمة الحكم، وتحمل طابعًا حاسمًا من حيث العلاقة بين السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة. فالسّلطة التّنفيذيّة بشكلٍ عامٍّ تملك صلاحية إعداد الميزانيّة، وتتولّى السّلطة التّشريعيّة؛

 أي البرلمان صلاحية الإقرار. ويختلف نطاق صلاحية هاتين السّلطتين تبعًا لنظام الحكم البرلماني أو الرئاسي. يُعتَقَد أن التّرتيبات المقترحة تسهم في إيجاد حلٍّ فعّالٍ للعقبات التي تظهر في موضوع اعتماد الميزانيّة الذي يشكّل عقبةً يمكن أن يظهر بين الرئيس والبرلمان في كثيرٍ من الأنظمة الرئاسيّة، وفي مقدمتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة على محور السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة في حال رفض البرلمان مشروع الميزانيّة الذي اقترحه رئيس الجمهورية، وذلك من خلال اعتماد ميزانيّة العام الماضي مع إعادة تقييمها بمعدّل التّضخم ميزانيّةً مؤقتّةً.

في الأنظمة شبه الرئاسية لا تقطع العلاقة بين رؤساء الجمهوريات وبين أحزابهم التي ينتمون إليها. فعلاقة رئيس الجمهورية في فرنسا التي تدار بنظام شبه رئاسي؛ بحزبه وثيقة جدًّا، وهو العضو السياسي الأكثر تأثيرًا في تحديد التوجهات السياسية لحزبه وإدارتها. التفاعل السياسي السليم وما وراء ذلك من حضور لعلاقات الحزب السياسية في النظام شبه الرئاسي يحملان أهمية كبرى فيما يتعلق بديمومة السلطة واستقرارها قياسًا بأنظمة الحكم الأخرى؛

لأن العلاقة بين الجهاز التشريعي والتنفيذي ومن ثَمّ العلاقة بين الجهاز التنفيذي مع الأحزاب السياسية تحمل طابعًا متشابكًا في النظام شبه الرئاسي قياسًا بالأنظمة البرلمانية والرئاسية. وهناك احتمال كبير لحدوث سوء تفاهم بين الأجهزة المختلفة الثلاثة: رئاسة الجمهورية والجهاز التنفيذي والبرلمان.

ومن الصعب جدًّا في النظام الرئاسي وشبه الرئاسي، أن يتمكن مرشَّحٌ مستقِلٌّ من تنظيم حملة انتخابية تتطلب تنظيمًا كبيرًا وتكاليف عالية، ويحقق الفوز. كما أن الرئيس المستقل عن أي حزب سياسي ربما يواجه صعوبة للحصول على الدعم اللازم من السلطة التشريعية في الأمور المتعلقة بسلطته التنفيذية. ولا يستطيع الرئيس الذي لا ينال الدعم من أي حزب سياسي أن يمارس سلطاته التنفيذية بشكل فعال

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق