الرأي

المسافرون إلى الموت

الكاتب الصحفي
صبري الديب

لا أستطيع أن أصف حجم المأساة التي يتعرض لها العشرات من الشباب المصري، الذي ما زالوا يغامرون بالسفر إلى ليبيا، للالتحاق برحلات “الهجرة غير الشرعية” التي تنطلق يوميًا “دون ضابط أو رابط” عبر المواني الليبية، والذين غالبا ما يكون مصيرهم “الموت غرقا” لا يجدون من يوريهم التراب، ويتحولون بعد تحلل جثثهم إلى وليمة للأسماك، أو يتم انتشالها بالصدفة، فيدفنون “غرباء” في مقابر الصدقة.

وعلى الرغم من بشاعة الكارثة، فإنني لا أستطيع أن أطالب الدولة باتخاذ إجراءات أكثر صرامة تستطيع أن تقيد بها سفر الشباب المصري إلى ليبيا، أكثر مما اتخذته عقب سقوط نظام القذافي، والذي نجحت خلالها من منع السفر المباشر، وإغلاق طريق سفرهم عبر السودان.

ورغم ذلك ما زال الخطر قائما بشكل كبير، وما زال العشرات من الشباب المصري يلقون حتفهم يوما في البحر، ودون علم من الأهالي والسلطات في البلدين، وذلك بعد ظهرت في مصر خلال العامين الماضيين “مافيا قذرة” تربطها علاقات وثيقة بشركات ليبية، تقوم بإصدار دعوات تباع للشاب بمبالغ تتراوح بين 50 و60 ألف جنيه، يستطيع من خلالها الشاب الحصول على تأشيرة، ودخول الأراضي الليبية عبر مطارات تونس أو دبي أو أبوظبي، ليبدأوا بعد ذلك البحث عن سماسرة رحلات “الهجرة غير الشرعية”.

ولعل ما يدمي القلب في تلك القضية، أن الشباب الذي يموت، يتم التعامل معه لسنوات على أنه “مفقود” في حين أن الحقيقة المرة تؤكد أنه “مات غرقا”.

فقد حالفنى الحظ خلال عهد القذافى، في خوض مغامرة على الأراضى الليبية، استطعت خلالها جمع كم من المعلومات الكارثية عن قضية “الهجرة غير الشرعية” من خلال الجلوس لساعات وسط سماسرة “رحلات الموت” الذين ينتشرون بكثرة على مقاهى العاصمة طرابلس، و3 مقاهى معروفه في مدينة “زوارا” ومقهيين بمدينة “سبراطة” ومقهى المحطة بمدينة “مصراتة”.

حيث تبدأ الكارثة بتحصل المبالغ المتفق عليها من الشباب، وجمعهم في أحواش قريبة من الساحل لعدة أيام، ثم يقومون بأخذ جوازاتهم وحرقها، والإبحار بهم في مراكب صغيرة ومتهالكة، يتم شرائها على أساس أنه سيتم التخلص منها خلال الرحلة، التي عادة ما تنطلق تحت قيادة بحارة يحملون الجنسية السودانية أو التونسية.

وقبل عدة كيلو مترات من السواحل الإيطالية، يتم إجبار كل من في المركب على القفز في البحر والسباحة وسط الظلام حتى الوصول للشاطئ، فيغرق أغلبهم، أو تقوم السلطات بالقبض على كل من ينجو، فيدعون أنهم مهاجرون من أي من الدول المنكوبة.

وخلال حكم القذافي، كانت تلك العصابات تختار أيام المواسم والاحتفالات للإقلاع بـ “رحلات الذهاب بلا عودة” من أماكن مهجورة على سواحل “زوارا وجرناته ومصراتة والخمس، ونهاية ساحل سرت” أما الآن، وفى غيبة قبضة الدولة، فالسواحل مفتوحة والرحلات تتم من أي مكان وفى كل وقت.

المؤلم، أن قنصليتي مصر في طرابلس وبني غازي كانتا تتلقيان قبل تفجر الأوضاع في ليبيا، ما بين 200 و300 شكوى يوميا من عائلات مصرية، جميعها تؤكد فقدان أبنائهم في ليبيا منذ سنوات، وكان يتم إحالة كل تلك الشكاوى بالفعل إلى السلطات الليبية، إلا أن الرد كان يأتى دائما يقول: “إنه بالبحث، اتضح أن المذكور دخل البلاد بالفعل بتاريخ كذا، إلا أنه بالبحث اتضح أنه لا وجود له على الأراضى الليبية”.

وللأسف الشديد أن الرد الليبى كان دائما ما يأتي صحيحا، وأن الحقيقة المرة تؤكد أن كل هؤلاء الشباب قد “غرقوا” بعد أن وقعوا فريسة لعصابات منظمة، أوهمتهم بالسفر إلى أوروبا، وألقت بهم على بعد عدة كيلو مترات من السواحل، وتركتهم يصارعون الموج والظلام، فيموت منهم من يموت، وينجو من قدر الله له ذلك “وهذا نادر” فيتم القبض بمعرفة السلطات في أي من الدول الأوروبية، فتودعه السجن، إلى أن يتم ترحيلة إلى ليبيا أو مصر مرة أخرى.

الأمر بالفعل خطير، والإحصائيات المسجلة في السفارة المصرية في طرابلس قبل سقوط النظام في ليبيا، تؤكد أن اعداد الشباب المصري الذين يتم الإبلاغ عن فقدناهم كبير للغاية، أما الآن، وفي ظل حالة عدم السيطرة على تلك الرحلات، فالأعداد قد تضاعف، في غيبه من السلطات، ومعهم أولياء الأمور الذين يتحملون الوزر الأكبر في المصير الكارثي الذي ينتهي إليه أبناؤهم، بعد أن ووافقوا على اتفاقات لسفرهم، عقد بعضها مع سماسرة “رحلات الموت” في بيوتهم وداخل قراهم في قلب مصر.

الرابط المختصر -الديوان:
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق