الرأي

الوفاء يا بلد

الكاتب الصحفي
صبري الديــب

يقيني، أنه لا شيء أغلى على الإنسان من الروح فما بالكم بشخص قدم روحه فداء لنا جميعا حتى نعيش، ألا يستحق منا ذلك النموذج النادر من البشر أن نخلد اعتراف بما قدمه من إنكار ذات وتفاني نادر من أجل هذا الوطن. فلا أدرى كيف غاب كل الحكومة الحالية وكل الحكومات التي توالت على مصر منذ عام 1973 حصر أسماء الشهداء في حربي الاستنزاف وأكتوبر المجيدة، في كل مركز من مراكز الجمهورية على حدة، وإطلاق أسمائهم على الميادين والشوارع والقرى، بدلا من تلك الأسماء الخزعبلية المضحكة والتي لا معنى لها، والتي تم إطلاقها منذ قرون.

ولا أدري كيف غاب عن وزارة التعليم طوال الـ 50 عاما الماضية، القيام بجمع البطولات النادرة لتلك النماذج المشرفة فى مجموعة من الكتب، وفرضها بشكل إلزامي كمادة رسوب ونجاح على الطلاب من المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية، وتقديم أصحاب تلك البطولات المشرفة كقدوة، لغرس قيم الولاء والانتماء للوطن لدى الأجيال الجديدة، بدلا من نماذج العبث التى من توافه السوشيال ميديا ومطربي المهرجانات والإسفاف الذين سيطروا على عقولهم هذه الأيام.

أفلا يستحق الشهيد الراحل النقيب محمد القصاص صاحب أول طلقة فى حرب الاستنزاف، أن نخلد ذكراه، وقد كان أول من أخذ قرار رد الاعتبار لمصر بعد نكسة يونيو 1976 وصعد فوق مستشفى نمرة 6 بالإسماعيلية واستطاع قنص قائد القطاع الشمالي الإسرائيلي فى حادثة هزت كيان تل أبيب، ولم يمهله القدر للاحتفال بإنجازه حيث استشهد بعدها بيومين، قبل يوم واحد من استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض فى ذات المكان، عندما حضر لزيارة الموقع الذي انطلقت منه الشرارة الأولى للحرب التى أرهقت الإسرائيليين حتى أكتوبر73.

بطولات حرب الاستنزاف

ألا يستحق النقيب البطل أحمد إبراهيم ورفاقه الأبطال، أن نقدمهم كقدوة للأجيال الجديدة، وهم من نجحوا في الإتيان ببطل المصارعة الإسرائيلي أفيدان شمعون حيا، كأول أسير إسرائيلي يصل إلى الأراضي المصرية بعد حرب 67، حينما قرروا الانتقام لصديقهم الجندي العريس توفيق الشافعى الذي قنصه الإسرائيليين بعد عودته من إجازة حفل زفافه بيوم واحد، فعبروا ليلا إلى الضفة الشرقية، واختبئوا حتى عبرت أول دورية إسرائيلية، فدمروها بأكملها، وعبروا بالأسير الإسرائيلي حيا إلى غرب القناة.

ألا يستحق الشهيد سعيد خطاب المسمى ب “اللغم البشرى” وصاحب أول وسام لنجمة سيناء في لواء النصر، أن نضعه كقدوة للأجيال الجديدة، رغم أنه لم يكن سوى جندى بسيط مكلف بحمل مجموعة من الألغام، وعندما وجد دبابات العدو تحاول اقتحام موقعه، انطلق بشجاعة المصري البسيط، وأخذ يلقي بالألغام في طريقهم إلى أن دمر 5 دبابات، ودخل باللغم الأخير في الدبابة السادسة ففجرها بمن فيها من إسرائيليين وانفجر معهم.

ألا يستحق العميد عادل يسري الذي يطلق عليه “صاحب الساق المعلقة” وقائد اللواء النصر 112 مشاة ميكانيكي، أن نطلق اسمه على أكبر ميادين مصر، وهو من تعطلت أجهزت الاتصالات في مركبته، ووجد دبابات العدو تحاول الإلتفاف حول احتياطى دباباته، فانطلق مترجلا غير مبال بوابل الطلقات التى تنهمر عليه كالمطر، إلى أن نجح فى تصحيح وضع قواته، وظل لـ 8 ساعات كاملة يعطى الأوامر وهو ينزف بعد أن أصيب بطلقة دبابة كاملة بترت قدمه، رفضا أن يقترب منه أحد من جنوده، إلى أن حقق 3 معجزات عسكرية فى زمن قياسى يصعب تحقيقهم في التاريخ العسكري، وتم إخلائه وهو يضع قدمه بجواره أملا في أن يتمكن الأطباء من إعادتها مرة آخرى.

ألا يستحق الجندي البطل محمد عبد العاطي الذى نجح فى تدمير 23 دبابة ومجنزرة إسرائيلية، أن نقدمه كقدوة ونموذج يحتذى به، وهو من دفع به قائد لواء النصر يوم 8 أكتوبر مع طاقمين آخرين، لوقف تقدم اللواء 190 مدرع الإسرائيلي، وظل يتقدم إلى أن وجد نفسه مع طاقم رفيق هش البطل “بيومي” في موقع منخفض للغاية لا يصلح لإطلاق الصواريخ، فى الوقت الذى كانت فيه الدبابات الإسرائيلية فى موقع مرتفع للغاية، فاستعان بالله وأطلق صاروخا فأصاب دبابة، وأعقبه بيومي بصاروخ فأصاب الثانية، وظل يتبادلان الإطلاق إلى أن استطاع خلال 20 دقيقة من تدمير 12 دبابة، ونجحت بيومي في تدمير 7 دبابات، وسط ذهول من القوات الصهيونية التي اضطرت إلى الانسحاب بعد فشلها في تحديد الموقع الذي تنهمر منه الصواريخ.

اعتراف بالجميل
ألا يستحق البطل النقيب يسرى عمارة أن نقدمه كقدوة، وهو من قفز من مركبته مصابا أعزل من السلاح، وانطلق كالأسد ونجح في قتل الجندي الإسرائيلي الذي أصابه، وأسر 4 إسرائيليين بينهم عساف ياجوري قائد اللواء 190 مدرع الإسرائيلي.

ألا يستحق الشيخ “حافظ سلامة” قائد المقاومة الشعبية بالسويس رحمه الله، أن نخلد ذكراه، وهو من رفض إستسلام المدينة، وظل يقاوم هو أبطال المقاومة إلى أن كبدوا الإسرائيليين خسائر فادحة وأجبروهم على الانسحاب.

ألا يستحق الشهيد إبراهيم سليمان صاحب أول طلقة فى المقاومة الشعبية، ومعه محمود عواد، وأحمد أبو هاشم وكل شهداء ملحمة السويس، أن نخلد ذكراهم ونقدمهم للشباب كقدوة. ألا يستحق كل هؤلاء وغيرهم من الآلاف ممن قدموا أرواحهم فداء لمصر فى معارك الشرف، أن نرد لهم ولو جزء من حقوقهم علينا، أعتقد أن الوفاء والاعتراف بالجميل يحتم على الحكومة ضرورة التحرك.. وكفى.

الرابط المختصر -الديوان:
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق