الرأي

سحقا لمتطلبات المرحلة

الكاتب الصحفي
صبري الديب

هل من الممكن أن نجعل من تطورات العصر، والتنافس المحموم بين المواقع الإلكترونية لاستقطاب القارئ، مبررا للتخلى عن المبادئ السامية لـ “العمل الصحفي” وتحويلها إلى مجرد ماضى، لا مجال للحديث عنه وسط البحث عن “التريندات” وتسجيل أعلى القراءات، ومسخ المحتوى، على حساب تشوية القيم النبيلة للمجتمع؟.

سؤال مهم وحيوى، كان محورا لحوار شيق وكاشف، دار منذ أيام بينى وبين صديق يرأس تحرير أحد المواقع الإلكترونية الشهيرة فى مصر، سألته خلاله عن السبب الرئيسي وراء الانحدار فى مستوى المحتوى المنشور فى أغلب الموقع؟.

الغريب أن صديقى رئيس التحرير رد بهدوء شديد قائلا: ولما العجب فى ذلك يا صديقي، إنها “متطلبات المرحلة”.

فقلت له: وهل متطلبات المرحلة تستدعى التركيز على قضايا “التحرش، والشذوذ، وزنا المحارم” والبحث عن كل ما يتعلق بقضايا “الجنس” لدرجة وصلت إلى قيام بعض المواقع بتعديل عمل بعض محررى القضاء، للتخصص والبحث فقط عن قضايا الجنس والدعارة والتحرش؟.

فقال: “يا صديقى هذه الأخبار تحقق قراءات كبيرة، تفوق بمراحل قراءات أخبار السياسة والاقتصاد والفن والرياضة، وتضع المواقع فى مراتب متقدمة، وهذا ما يسعى إليه أى رئيس تحرير ناجح”.

فقلت: وهل النجاح والارتقاء بترتب الموقع، يجب أن يأتى على حساب قيم وصورة المجتمع، لقد حولتم صورة مصر أمام العالم إلى”مجتمع متحرش” لا هم له سوى “الجنس” لدرجة ان البعض فى الخارج أصبح لديه قناعة، انه لا يوجد امرأة تنزل الشارع فى مصر، إلا ويتم التحرش بها والاعتداء عليها جنسيا، فى حين أن تلك الظواهر والحوادث تقع خارج مصر بشكل يفوق ما لدينا عشرات المرات، ولكن لا يتم تسليط الضوء عليها بذات الصورة البشعة التى تقوم بها أغلب المواقع فى مصر؟.

فقال: ما تتحدث عنه لا يعد إدانة للمواقع فى مصر يا صديقى، بقدر ما هو قصور فى الأداء الصحفي لدى المواقع فى الدول الأخرى، بدليل احتلال المواقع المصرية مراتب متميزة ومتقدمة بين كل المواقع العربية، ونحن لا نرى ذلك تشويها للمجتمع، بقدر ما نراها تميزا فى العمل الصحفى.

فقلت: وهل التميز والمهنية يعنى اقتحام وفضح الحياة الخاصة للنجوم، والاهتمام بنشر أخبار الطلاق، والخلافات بين الأزواج، والاهتمام بنشر التفاهات مثل “فلانه خلعت الحجاب، وصور فلانة بالمايوه، واقحام صغار المحررين لتصوير سرادقات التعازى، وعدم احترام أحزان الناس، بشكل عرض كثيرا منهم للطرد والاعتداءات ؟.

فقال: يا صديقي انت تفكر بعقلية الصحافة القديمة، التى إنتهت ولن تعود، وما تنتقده اليوم هو ما يسميه العالم “الصحافة الحديثة” التى تأتى على هوى القارئ، بدليل تحقيق صفحات تلك المواقع لملايين على مواقع التواصل الاجتماعي.

فقلت: يا صديقى الصحافة القديمة التى تتحدث عنها كان همها الأول التعليم، والتثقيف، والتوجيه، والتنافس فى نقل الحدث بصدق، وكشف الفساد، والانفراد بالخبر والتحقيق والتقرير والحوار المتميز.

إلا انكم حولتموها إلى محتوى كاشف لعورات المجتمع، وباحث عن الفضائح، وناقل للتفاهات من مواقع التواصل الاجتماعي، والتبارى فى سرعة نشر الأخبار والبيانات بأخطائها اللغوية والإملائية، لتحقيق الصدارة على جوجل، وبدلا من تكليف المحررين بموضوعات ميدانية مفيدة، تحول إلى إنتاج محتوى يتعلق “بالتريند” حتى ولو كان تافها ولا يحوى سوى فضائح وتشوية للأفراد والمجتمع.

فقال: يا صديقى ما تتحدث عنه انتهى ولن يعود، و”متطلبات المرحلة” تستدعى البحث عما يحقق القراءة الأعلى، وجذب القارئ، ووضع الموقع فى الصدارة، لجذب الكم الأكبر من الإعلانات، وإذا أخذنا الأمر بمفهوم المهنية التى تتحدث عنها فسينصرف عنا الجميع

للأسف، عند هذا الحد كان لابد أن ينتهى الحوار، الذى يعكس حقيقة مرة، لن تنتهى إلا بتدخل نقابة الصحفيين، والهيئة الوطنية للصحافة، لإعادة ضبط الإيقاع، بعد أن تحول مفهوم العمل الصحفي لدى أغلب القائمين على إدارة المواقع الإلكترونية، إلى المسخ بحثا عن “متطلبات المرحلة” إعلاء للترند، وبحثا عن الصدارة، والقراءات الأعلى.

فسحقا “لمتطلبات المرحلة” إن جاءت على حساب انهيار المهنة وقيمها السامية، وتشوية المجتمع وهدم قيمه وتقاليده، والنبش فى الحياة الخاصة للأفراد.. ولا عزاء للمسئولين عن الإعلام.. وكفى.

الرابط المختصر -الديوان:
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق