الرأي

قرابين العار الإيرانية

بقلم صبري الديب

قراءة المشهد المعقد للأزمة “الأمريكية الإيرانية” بعد مقتل “قاسم سليماني” و”أبو مهدي المهندس” وما تبعها من “مسرحية هزلية” لإطلاق الصواريخ البالستية على القاعدتين العسكريتين في العراق، تؤكد أن “طهران وبغداد” قد قدما “سليماني” و”المهندس” كـ “قربانين” لوشنطن، من أجل عودتها لطاولة المفاوضات مع النظام الإيراني.
وإعادة صياغة بنود الاتفاق النووي، والخروج من الأزمة الخانقة التي تمر بها البلاد، بفعل العقوبات الأمريكية، وأن “بغداد” قد رضخت أيضا لسياسة “لي الذراع” الأمريكية، وصمتت على الانتهاك الصارخ لأراضيها.

فالمتابع للمشهد يستطيع أن يستخلص وبسهولة، نتائج التحركات التي تمت خلف الكواليس، عقب مقتل الرجلين، والتي بدأت بشبه إجماع من المحيطين بالرئيس الأمريكى، بأنه قد “أخطأ في تقدير الموقف” عندما اتخذ قرار قتل “سليماني” و”المهندس” منفردا، وهو ما عكسه المشهد المرتبك للإدارة الأمريكية بعد الحادث، وحتم عليها ضرور التواصل مع طهران وبغداد، والضغط عليها، وتقديم تنازلات، من أجل تفادي رد الفعل الغاضب لطهران وحلفائها ضد القوات والمصالح الأمريكية بالمنطقة.

للأسف، إن تلك هي النتيجة المنطقية التي عكستها كثيرا من “السقطات” خلال تحركات وتصريحات المسئولين في “واشنطن وطهران وبغداد” خلال الأزمة. حيث بدت الإدارة الأمريكية مرتبكة للغاية، وهو ما عكسه الرد الأمريكى “المتسرع” على تصويت البرلمان العراقي على جلاء القوات الأمريكية عن الأراضي العراقية، حيث جاء الرد الأمريكى بعد ساعات معدودة من خلال رسالة، تحمل “موافقة على الانسحاب” إلا أنه سرعان ما خرج رئيس الأركان الأمريكى، وكأنه يخاطب أطفالا ليؤكد أن الرسالة الأمريكية أرسلت بـ “الخطأ” وأنها كانت عبارة عن مسودة غير موقعة.

وتبعها ادعاء الرئيس الأمريكى في “سذاجة” شديدة، خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مع رئيس الوزراء اليوناني، صباح اليوم التالي “عدم علمه بأمر الرسالة” حيث سأل “ترامب” وزير خارجيته أمام وسائل الإعلام في “استخفاف شديد” عن أمر الرسالة، فرد الوزير ببرود: “لقد كانت مسودة و”غير موقعة”.

ولعل الأغرب في الأمر، هو خروج “عادل عبدالمهدي” رئيس حكومة تصريف الأعمال العراقي، ليبرر الخطأ الأمريكى، ويؤكد بـ “بجاحة” ما لم يؤكده الأمريكان أنفسهم، وهو “أنه كان هناك فقرة في الرسالة، تحوي ترجمتها معنى مخالفة تماما لمضمون الفقرة السابقة لها”.

ولأنها أمريكا، فإنه فرض علينا، أن نلغي عقولنا، ونصدق أن الإدارة الأمريكية خلال إدارتها لأزمة بحجم “إشعال فتيل حرب مع إيران” قد أخطأت وأرسلت رسالة “غير مقصودة” إلى الحكومة العراقية، تؤكد فيها موافقتها على انسحاب قواتها من العراق، وأن تلك الرسالة تم إرسالها دون أن يتم عرضها على الرئيس، أو حتى يعلم عن أمرها شيء، وعلينا أيضا أن نصدق التبرير غير المقنع، والتجويد والمزايدة التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي.

كما أنه ما يدهشك في أحداث الأزمة، أنه في التوقيت الذي كانت فيه الحكومتان والشعبان “الإيراني” و”العراقي” يشتعلان غضبا ضد “أمريكا” ويطالبان بالقصاص، خرج علينا وزير الخارجية الأمريكى، وأكد “بكل هدوء” أن الإدارة الأمريكية قد أرسلت برسالة إلى طهران “دون الإفصاح عن مضمون الرسالة.

والأكثر دهشة، أن يخرج وزير الخارجية الإيراني ليؤكد “بذات الهدوء” أن طهران قد ردت على محتوى الرسالة الأمريكية، وكأنه “لا أزمة” أو أن العلاقات طبيعية، أو أن الرسالة روتينية للتهنئة بعيد أو مناسبات سعيدة. وخلال ساعات، تبدلت تصريحات كل المسئولين بالإدارة الأمريكية، التى كانت تحمل كل عداء وهجوم على إيران، إلى التأكيد على عدم الرغبة في التصعيد، أو القيام بعمل عسكري تجاه طهران.

وفور إطلاق الصواريخ على القاعدتين الأمريكيتين، ارتبك العالم بأكمله إلا الإدارة الأمريكية، التي بدت “هادئة للغاية” ولم يخرج عنها ايه تصريح، والتزمت بالرد: “انه لا تعقيب الا في الصباح، وبعد تقيم حجم الخسائر” لأن الحقيقة التي لم يكن يعلمها سوى المسئولين في “واشنطن وطهران وبغداد” أنه “لا خسائر”.وأن “الإدارة الأمريكية” قد مارست ضغوطا على الحكومتين الإيرانية والعراقية فور قتل “سليماني” و”المهندس” استخدمت خلالها كل أساليب التهديد والوعيد ولي الذراع، وانتهت إلى التوافق على قيام النظام الإيراني “برد صوري” يحفظ ماء وجهه أمام شعبه، دون أن يخلف أية أضرار بشرية أو مادية، على ذات شاكلة ردود “حزب الله” في لبنان، و”الفصائل الفلسطينية” في غزة، ضد إسرائيل عقب أي عملية.

وهو ما تم بالفعل، حيث كان الأمريكان يعلمون يقينا بموعد القصف ومكانه، وقاموا بإخلاء القاعدتين، وخرج المسئولون في واشنطن وطهران بعد ساعات من القصف ليؤكدا أن “الأمر قد انتهى” ولا داعي للتصعيد، في حين أعلنت الإدارة الأمريكية للمرة الأولى في عهد “ترامب” استعدادها للتفاوض مع إيران دون شروط مسبقة.

ولتبقى الحقيقة المرة التي لا يعلمها سوى الرؤساء الثلاثة، وهي أن إيران أطلقت صواريخ لا تزيد خطورتها عن “البمب” الذي يطلقه الأطفال في مولد “سيدي بهلول” وأنها قدمت “سليماني” و”المهندس” كـ “قرابين” للتقارب وبدء صفحة جديدة مع واشنطن.. وتلك هي السياسة.

الرابط المختصر -الديوان:
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق