الرأي

محمد عيد يكتب: حتمًا سنعود.. “فلسطين ستبقى عربية”

صمت دافئ.. ضوء خافت هادئ، ونسيم ما بعد منتصف الليل يمر برائحته النقية على وجوه الأسرة، التي جلست على مائدة طعام السحور، وعيون الأب الثاقبة الغاضبة تملؤها الثقة، ونظراته الحادة تمتد من القاهرة إلى الزيتون في فلسطين، إلى هذا المنزل المهجور المغمور بالتراب، بعد أن غادرته الأسرة، لأسباب الحرب.

مشهد الوداع كان مؤلمًا، لم يكن فقط صعبًا، فراق غير عادي بالمرة، الصورة كانت مليئة بالدماء والأشلاء، الجرحى والشهداء، وأصوات طلقات الرصاص المدوية كادت أن تفقد الجميع السمع والوعي.

التقطوا أنفاسهم السريعة مع ركضٍ أسرع، هروبًا من الفاقدين قلوبهم وإنسانيتهم، شريط سينمائي يمر سريعًا بمرارة شديدة، والخلفية لم تكن موسيقى بيتهوفن أو تترات عمر خيرت أو حتى ألحان الجاز الحزينة، لكنها لحن الموت، الذي ذكّره به صوت المذياع يحكي عن غارات جديدة عكرت صفو سماء الأراضي المقدسة، التي رسمت سحبًا سوداء، كوّنها بارود الصهيون ولم تقدر الأمطار على قتلها.

وفجأة علا صوت الأب بدون إنذار ” حتمًا سنعود”.

نظر الجميع إليه في دهشة بعد فاجعة أصابتهم، ورد صغيرهم: إلى أين يا أبي؟، لحارتنا القديمة في قاهرة المُعز؟، للأصدقاء والذكريات؟، لبيت جدي العتيق؟.. الجواب كان نعم مؤكدًا، لشوارع الزيتون، وأبواب القبة، لدارنا وأرضنا لأصلنا في فلسطين ياولدي.

هذا الأب الذي هاجر مضطرًا أرضه، لم يكن يقصد بالطبع التخلي، لكنه خرج ليعود أقوى، ليستنصر بكل قطرة دماء فقدتها عائلته، لكل حضن فقد لذته، ليستعيد الماضي الجميل، ويهزم الحاضر اللعين، هذا الأب الذي ترك حلاوة بلاده وهو في عز شبابه، يحمل بين طيات قلبه أماني وأحلامًا وعشقًا لهذا الوطن الذي فجأة اغتصبه الصهيون بسبب وطأة المخنثين من أبنائه وأبناء جيرانه؛ فباتت أرضه تروى كل يوم بدماء الشرفاء فيه، حتى ظننا أن السير على تراب القدس حرام شرعًا.

انتظر الأب لسنوات حتى يكبر أبناؤه ويُشد ريعانهم ويشدوا أذره ليعود وينتصر ويستعيد حقه وذكرياته الحلوة من أفواه الذئاب العفنة، فمهما كان الأمان في الغربة فسيظل ذاك الحنين الدافئ، وصور الطفولة البريئة حقًا يجب أن تحارب لأجله وتقتلعه عنوة.

وستبقى فلسطين عربية أبية مستقلة رغم أي شيء بالفعل والسعي ليس بالدعاء فقط وإلا كان الإسلام بالشهادة والكلام وكفى، وسيظل الحل الوحيد في تنقية العروبة من الشوائب، وسيظل الاتحاد الحقيقي هو رمز القوة والعزة والنصر، ليعود الجميع وينتقم وينتصر للحق.. هكذا لهج لسان الأب في نفسه وهو ينظر لأبنائه مرددًا… “حتمًا سنعود”.

الوسوم
إغلاق