الرأي

٥ سنوات على رحيل فارس الدبلوماسية المصرية

بقلم د علاء عبد الحميد أستاذ العلوم السياسية بالأكاديمية العربية
مرت خمس سنوات على رحيل بطرس غالي أحد جهابذة الدبلوماسية في العالم و وبغيابه فقدت مصر مهندس سياستها الخارجية وقائد بوصلتها عبر نصف قرن فقد وقفَ أعضاءُ مجلسِ الأمنِ الدّوليّ دقيقةً، ليفاجئَهم رئيسُ المجلس راميريز داريو كارينو، ومندوب فنزويلا الدّائم لدى الأمم المتّحدة، بوفاة الأمين العامّ السّابق الدكتور بطرس غالي. والرّاحل هو مهندسُ اتّفاقيّة كامب ديفيد للسّلام عام 1979، وقد شغلَ منصب وزير مصر للشّؤونِ الخارجيّة، قبلَ تولّيهِ منصبَ الأمين العامّ للأمم المتّحدة، ومن أهم مؤلفاته خمس سنوات في بيت من زجاج ، بانتظار بدر البدور.
ثمّ شغلَ منصبَ الأمين العامّ للمنظّمةِ الفرانكوفونيّة. ويعتبر بطرس غالي أبرزَ دبلوماسيٍّ مصريٍّ وعربيّ في العصرِ الحديث، فقد تولّى، وهو المصريُّ العربيُّ الأفريقيّ الوحيد، والفقيهُ القانونيُّ الدوليُّ المعروف، مسؤوليّةَ الأمانةِ العامّة للأمم المتّحدة، في الفترةِ الممتدّة بين عامَي1992 و 1996 ،
في ظلِّ ظروفٍ دوليّةٍ عصيبة، حيث تراكمت المتغيّرات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة التي اجتاحَت العالم منذ بداية التسعينيّات، وأحدثت توازناتٍ دوليّةً جديدةً تختلفُ تمامًا عن التوازنات التي حكمت المنظّمة الدوليّة طوال سنوات الحرب الباردة. وقبل انتخاب الدكتور بطرس غالي، طالبت الدول الأفريقية وأصرّت بالإجماع على ضرورة تولّي شخصيّةٍ أفريقيّةٍ هذا المنصب ،
ومن المعروف أنّ القارّةَ الأفريقيّة كانت هي القارّة الوحيدة التي لم يحظَ أيٌّ من أبنائها بفرصة تولّي هذا المنصب منذ إنشاء الأمم المتّحدة. ويعتبر منصب الأمين العامّ الذي تولاه الراحل بطرس غالي أرفعَ منصبٍ دوليٍّ على مستوى العالم،
نظرًا إلى وظيفتِه ومهامِّه، وصلاحيّاتِه واختصاصاتِه المحدَّدة في ميثاق الأمم المتّحدة والتي جاءت في الموادّ (97, 98, 99) من الميثاق. أمّا عندما نتحدّث عن دوره، فإننا نتحدث عن مجموعة المهامّ والأنشطة التي كُلِّفَ بها الأمينُ العامّ الراحل من قبل مجلس الأمن أو من قبل الجمعيّة العامّة، والتي قام من خلالها بظاهرة حركيّة للوساطة والمساعي الحميدة لمواجهة أيّ تطورات من شأنها أن تهدّدَ السّلمَ والأمنَ الدّوليَّين . وقد اختلفت طبيعةُ دور الأمين العامّ للأمم المتّحدة من مرحلة إلى أخرى،
و اختلف معها حجم التأثير الذي مارسه هذا الدور في تحوّلات النظام الدوليّ ومسارِه، فالتباين مذهل بين وحدات العالم السياسيّة التي تتشكّلُ منها منظّمةُ الأمم المتّحدة، ليس فقط في درجات النموّ السياسيّ، والتفوّق العسكريّ والاقتصاديّ،
بل أيضًا على مستوى الاختلاف في الرؤية، ومفهوم كلٍّ من الدّولِ الأعضاء لطبيعة وأهداف منظّمة الأمم المتّحدة، وهذا ما يؤدّي أحياناً إلى تقليص أو تفعيل دور الأمين العامّ، وفقًا لمجموعة من المحدّدات، لاسيما الظرف الدوليّ السائد، والقوى التي تؤيّده في مجلس الأمن والجمعيّة العامّة،
وكذلك السِّمات الشخصيّة التي يتمتّع بها الأمينُ العامّ نفسُه. مقترحات الدكتور بطرس غالي لإصلاح منظّمة الأمم المتّحدة. حاول الدكتور غالي إدخال الكثير من التعديلات والإصلاحات على فروع المنظمة الدوليّة ليتسنّى لها الاضطلاع بمهامّها على أكمل وجه، فكان يرى أنّ الأمانة العامّة عند تبسيط هيكلِها وتحديد مسؤولياتِها وإخضاع إدارتِها للمساءلة لن تتمكّنَ من أداء خدمة أفضل للدول الأعضاء فحسب، بل ستوفّرُ أيضاً مزيداً من الشعور بالرضى بين العاملين فيها.
وفي هذا الإطار اتخذ بطري غالي سلسلة من إجراءات التقشف الصارمة بهدف خفض الميزانيّة وخفض عدد المناصب الرئاسيّة في الأمانة العامّة تخفيضًا ملحوظًا، ممّا أضفى على الجهاز الإداريّ قدرًا كبيرًا من الترشيد والتبسيط .
و في هذا الخضمّ لا يمكننا أن ننسى تقريره المميّز والمعروف باسم “خطّة السلام” الذي تضمّن رؤيته لما يتعيّن على الأمم المتّحدة أن تقومَ به لتعزيز دورِها في مجال حفظ السّلم والأمن الدوليَّين، وتناولَ في التقرير مقترحاتِه في إطار كلٍّ من الدبلوماسيّة الوقائيّة، وصنع السّلام، وحفظ السّلام،
وبناء السّلام بعد انتهاء الصراع. وللأسف، أثارت خطّة السلام التى قدّمها الراحل بطرس غالي بعض القلق لدى دول العالم الثالث، فقد خشيت هذه الدول من تعاظم دور مجلس الأمن في مجال الحفاظ على السلام، وذلك ربّما يمسّ سيادة تلك البلدان ويصبح بابًا مفتوحاً أمام كلّ أنواع التدخّل الدوليّ. وتوزّعت “أجندة السلام” التي قدّمَها بطرس غالي إلى خمسة أقسام موضَّحة كالتالي: الدبلوماسيّة الوقائيّة، وصنع السّلام، وحفظ السّلام، وبناء السّلام،
وأخيراً فرض السّلام. وتعدُّ الدبلوماسيّة الوقائيّة الجزءَ الأهمّ، فهي تستخدم في المفاوضات اليوميّة للأمم المتّحدة،
سواء على مستوى ثنائيّ أو متعدّد الأطراف، وفي السياق ذاتِه جاءت الدبلوماسيّة الوقائيّة لترسيَ ثوابتَ أن تكون الأممُ المتّحدة منظّمةً أكثرَ فاعليّة من خلال التدخّل في النزاعات المحتملة الوقوع،
وبالفعل فإنّ هذا المنع يشكّلُ المعالجةَ الفُضلى . كانت مقترحات الدكتور غالي لإصلاح الأمم المتّحدة أبرزَ المشاريع المقدَّمة على الإطلاق، كما أنّ المقترحاتِ التي طرحَها في تقريره (خطة السلام) كانت أفضل ما قُدِّمَ لتفعيل المنظّمة الدوليّة. وهذه المقترحات تمّت بناءً على تكليف من مجلس الأمن في اجتماعه الذي عقد على مستوى القمّة وللمرّةِ الأولى في تاريخ المنظّمة الدوليّة يوم 31 كانون الثاني 1992، غير أنّ التطوير الذي طُلِبَ من الدكتور بطرس غالي أن يقدّمَ تقريرًا بشأنِه كان مقتصرًا في نطاقه فقط على القضايا المتعلّقة بمهمّات الدبلوماسيّة الوقائيّة وصنع السّلام وحفظِه،
وكان مشروطًا أن يكونَ في إطار الميثاقِ وأحكامِه.
ومع ذلك استطاع الدكتور غالي أن يطرحَ في تقريرِه رؤيةً متكاملة لتنشيط دور الأمم المتّحدة في المسائل المتعلّقة بالسِّلم والأمن الدوليَّين. ويتّضحُ من محاولات الراحل بطرس غالي لإصلاح جهاز الأمم المتّحدة أنّ الدول الكبرى أعطت نفسَها كلَّ الصلاحيّات التي تَضمنُ لها الهيمنة على المنظّمة بالكامل ومصيرِها فيما بعد،
وبالتالي فإنّ الدعوات التي تنادي بإنشاء آليّة جديدة تمنح الحقّ لشعوب الدّول النامية وغيرِها من بقيّة دول العالم بالمساهمة في صنع القرار الدوليّ، رغمَ أنّها تجدُ صداها بشكلٍ لافت، غير أنّنا لا نرى في طبيعة النظام الدوليّ الحاليّ ما يدعو إلى التفاؤل في شأنِها. الفيتو ضد الدكتور بطرس غالي في مجلس الأمن.
طغت الخلافات على العلاقة بين واشنطن والأمين العامّ السابق للأمم المتّحدة بطرس غالي خصوصًا بعد قرار الأمم المتّحدة بوقف العدوان الإسرائيليّ على جنوب لبنان بعد مذبحة قانا 1996 الشهيرة. فقد استخدمَ البيت الأبيض كلَّ أدواتِه الإعلاميّة في محاولة للنَّيل من شخص الأمين العامّ، كما استخدمت الخارجيّة الأمريكيّة جميع سفرائِها في العالم في محاولة إقناع دول مجلس الأمن بعدم التصويت لبطرس غالي. وفي هذا السياق سعَت الولايات المتّحدة وهي الدولة العظمى، بكلّ ما تملك من أدوات،
إلى منع التمديد لبطرس غالي المصريّ العربيّ لولاية ثانية، حيث كانت نتيجة التصويت 14 صوتًا مؤيدًا من أصوات مجلس الأمن، في مقابل صوت واحد معارض هو الصوت الأمريكيّ، وقد حاولت الولايات المتحدة تغيير نتيجة الاقتراع بالطرق كافة إلا أنها لم تفلح في ذلك، فاضطرَّت إلى استخدام حق النقض الفيتو في سابقة مشينة هي الأولى من نوعها في تاريخ الأمم المتّحدة. وفي تعليقها على ذلك ذكرت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت في مذكراتها “
تزايد استعدادي لأخذ المبادرة، وكان هذا ما فعلته في 1996 في سعيي إلى منع إعادة انتخاب بطرس غالي أمينًا عامًّا للمنظّمة الدولية لولاية ثانية تمتدّ خمس سنوات، وذلك أنّ خلافاتِنا مع الأمين العامّ كانت تتعمّقُ شهرًا بعدَ شهر، وكان بطرس غالي، فيما يخصُّ الصومال، أوّلَ من احتضنَ وآخرَ مَن تخلّى عن الإستراتيجيّة الفاشلة المتمثّلة بمواجهة عيديد. وفي رواندا اتخذ موقف اللامبالاة خلال الفترة المؤدّية إلى عمليّات الإبادة”.
وصفَت الصّحافة العربيّة الفيتو الأمريكيّ ضدّ الأمين العامّ السابق بأنّه وسامٌ على صدر بطرس غالي، وفي بلدان العالم الثالث اعتبرت الصّحف أنّه بمثابة رفض للديمقراطيّة.
دفعَ بطرس غالي ثمنَ انتمائِه العربيّ بحرمانِه من التجديد لولاية ثانية، على الرغم من التّمديد لكلّ الأمناء العامّين السّابقين لولاية ثانية، إلا أنّ الدكتور غالي هو الأمين العامّ الوحيد في تاريخ الأمم المتّحدة الذي تم إقصاؤُه بفيتو أمريكي وبضغوط صهيونيّة.
وختاماً تئنُّ الحروفُ وتخجلُ الكلمات في التعبير عمّا في داخلنا من ألم، ولا يسعُنا سوى أن نرضى بقضاء الله وقدرِه. رحلَ جسدُه لكنْ ستبقى روحُه معنا بمواقفِه ومبادئِه، ودماثِه خلقِه،
ومؤلّفاتِه وعلمِه، والمصريّون لن ينسوا أبدًا عميدَ الدبلوماسيّة العربيّة بطرس بطرس غالي … سيظلُّ هو الحقيقة وهو الأسطورة.
وقفَ أعضاءُ مجلسِ الأمنِ الدّوليّ دقيقةً، ليفاجئَهم رئيسُ المجلس راميريز داريو كارينو، ومندوب فنزويلا الدّائم لدى الأمم المتّحدة، بوفاة الأمين العامّ السّابق الدكتور بطرس غالي. والرّاحل هو مهندسُ اتّفاقيّة كامب ديفيد للسّلام، وقد شغلَ منصب وزير مصر للشّؤونِ الخارجيّة، قبلَ تولّيهِ منصبَ الأمين العامّ للأمم المتّحدة،
ثمّ شغلَ منصبَ الأمين العامّ للمنظّمةِ الفرانكوفونيّة. ويعتبر بطرس غالي أبرزَ دبلوماسيٍّ مصريٍّ وعربيّ في العصرِ الحديث، فقد تولّى، وهو المصريُّ العربيُّ الأفريقيّ، والفقيهُ القانونيُّ الدوليُّ المعروف، مسؤوليّةَ الأمانةِ العامّة للأمم المتّحدة، في الفترةِ الممتدّة بين عامَي1992 و 1996 ،
في ظلِّ ظروفٍ دوليّةٍ عصيبة، حيث تراكمت المتغيّرات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة التي اجتاحَت العالم منذ بداية التسعينيّات، وأحدثت توازناتٍ دوليّةً جديدةً تختلفُ تمامًا عن التوازنات التي حكمت المنظّمة الدوليّة طوال سنوات الحرب الباردة. وقبل انتخاب الدكتور بطرس غالي، طالبت الدول الأفريقية وأصرّت بالإجماع على ضرورة تولّي شخصيّةٍ أفريقيّةٍ هذا المنصب.\
ومن المعروف أنّ القارّةَ الأفريقيّة كانت هي القارّة الوحيدة التي لم يحظَ أيٌّ من أبنائها بفرصة تولّي هذا المنصب منذ إنشاء الأمم المتّحدة. ويعتبر منصب الأمين العامّ الذي تولاه الراحل بطرس غالي أرفعَ منصبٍ دوليٍّ على مستوى العالم،
نظرًا إلى وظيفتِه ومهامِّه، وصلاحيّاتِه واختصاصاتِه المحدَّدة في ميثاق الأمم المتّحدة والتي جاءت في الموادّ (97, 98, 99) من الميثاق. أمّا عندما نتحدّث عن دوره، فإننا نتحدث عن مجموعة المهامّ والأنشطة التي كُلِّفَ بها الأمينُ العامّ من قبل مجلس الأمن أو من قبل الجمعيّة العامّة، والتي قام من خلالها بظاهرة حركيّة للوساطة والمساعي الحميدة لمواجهة أيّ تطورات من شأنها أن تهدّدَ السّلمَ والأمنَ الدّوليَّين . وقد اختلفت طبيعةُ دور الأمين العامّ للأمم المتّحدة من مرحلة إلى أخرى،
و اختلف معها حجم التأثير الذي مارسه هذا الدور في تحوّلات النظام الدوليّ ومسارِه، فالتباين مذهل بين وحدات العالم السياسيّة التي تتشكّلُ منها منظّمةُ الأمم المتّحدة، ليس فقط في درجات النموّ السياسيّ، والتفوّق العسكريّ والاقتصاديّ،
بل أيضًا على مستوى الاختلاف في الرؤية، ومفهوم كلٍّ من الدّولِ الأعضاء لطبيعة وأهداف منظّمة الأمم المتّحدة، وهذا ما يؤدّي أحياناً إلى تقليص أو تفعيل دور الأمين العامّ، وفقًا لمجموعة من المحدّدات، لاسيما الظرف الدوليّ السائد، والقوى التي تؤيّده في مجلس الأمن والجمعيّة العامّة،
وكذلك السِّمات الشخصيّة التي يتمتّع بها الأمينُ العامّ نفسُه. مقترحات الدكتور بطرس غالي لإصلاح منظّمة الأمم المتّحدة. حاول الدكتور غالي إدخال الكثير من التعديلات والإصلاحات على فروع المنظمة الدوليّة ليتسنّى لها الاضطلاع بمهامّها على أكمل وجه، فكان يرى أنّ الأمانة العامّة عند تبسيط هيكلِها وتحديد مسؤولياتِها وإخضاع إدارتِها للمساءلة لن تتمكّنَ من أداء خدمة أفضل للدول الأعضاء فحسب، بل ستوفّرُ أيضاً مزيداً من الشعور بالرضى بين العاملين فيها.
وفي هذا الإطار اتخذ بطري غالي سلسلة من إجراءات التقشف الصارمة بهدف خفض الميزانيّة وخفض عدد المناصب الرئاسيّة في الأمانة العامّة تخفيضًا ملحوظًا، ممّا أضفى على الجهاز الإداريّ قدرًا كبيرًا من الترشيد والتبسيط .
و في هذا الخضمّ لا يمكننا أن ننسى تقريره المميّز والمعروف باسم “خطّة السلام” الذي تضمّن رؤيته لما يتعيّن على الأمم المتّحدة أن تقومَ به لتعزيز دورِها في مجال حفظ السّلم والأمن الدوليَّين، وتناولَ في التقرير مقترحاتِه في إطار كلٍّ من الدبلوماسيّة الوقائيّة، وصنع السّلام، وحفظ السّلام،
وبناء السّلام بعد انتهاء الصراع. وللأسف، أثارت خطّة السلام التى قدّمها الراحل بطرس غالي بعض القلق لدى دول العالم الثالث، فقد خشيت هذه الدول من تعاظم دور مجلس الأمن في مجال الحفاظ على السلام، وذلك ربّما يمسّ سيادة تلك البلدان ويصبح بابًا مفتوحاً أمام كلّ أنواع التدخّل الدوليّ. وتوزّعت “أجندة السلام” التي قدّمَها بطرس غالي إلى خمسة أقسام موضَّحة كالتالي: الدبلوماسيّة الوقائيّة، وصنع السّلام، وحفظ السّلام، وبناء السّلام،
وأخيراً فرض السّلام. وتعدُّ الدبلوماسيّة الوقائيّة الجزءَ الأهمّ، فهي تستخدم في المفاوضات اليوميّة للأمم المتّحدة،
سواء على مستوى ثنائيّ أو متعدّد الأطراف، وفي السياق ذاتِه جاءت الدبلوماسيّة الوقائيّة لترسيَ ثوابتَ أن تكون الأممُ المتّحدة منظّمةً أكثرَ فاعليّة من خلال التدخّل في النزاعات المحتملة الوقوع،
وبالفعل فإنّ هذا المنع يشكّلُ المعالجةَ الفُضلى . كانت مقترحات الدكتور غالي لإصلاح الأمم المتّحدة أبرزَ المشاريع المقدَّمة على الإطلاق، كما أنّ المقترحاتِ التي طرحَها في تقريره (خطة السلام) كانت أفضل ما قُدِّمَ لتفعيل المنظّمة الدوليّة. وهذه المقترحات تمّت بناءً على تكليف من مجلس الأمن في اجتماعه الذي عقد على مستوى القمّة وللمرّةِ الأولى في تاريخ المنظّمة الدوليّة يوم 31 كانون الثاني 1992، غير أنّ التطوير الذي طُلِبَ من الدكتور بطرس غالي أن يقدّمَ تقريرًا بشأنِه كان مقتصرًا في نطاقه فقط على القضايا المتعلّقة بمهمّات الدبلوماسيّة الوقائيّة وصنع السّلام وحفظِه،
وكان مشروطًا أن يكونَ في إطار الميثاقِ وأحكامِه.
ومع ذلك استطاع الدكتور غالي أن يطرحَ في تقريرِه رؤيةً متكاملة لتنشيط دور الأمم المتّحدة في المسائل المتعلّقة بالسِّلم والأمن الدوليَّين. ويتّضحُ من محاولات الراحل بطرس غالي لإصلاح جهاز الأمم المتّحدة أنّ الدول الكبرى أعطت نفسَها كلَّ الصلاحيّات التي تَضمنُ لها الهيمنة على المنظّمة بالكامل ومصيرِها فيما بعد،
وبالتالي فإنّ الدعوات التي تنادي بإنشاء آليّة جديدة تمنح الحقّ لشعوب الدّول النامية وغيرِها من بقيّة دول العالم بالمساهمة في صنع القرار الدوليّ، رغمَ أنّها تجدُ صداها بشكلٍ لافت، غير أنّنا لا نرى في طبيعة النظام الدوليّ الحاليّ ما يدعو إلى التفاؤل في شأنِها. الفيتو ضد الدكتور بطرس غالي في مجلس الأمن.
طغت الخلافات على العلاقة بين واشنطن والأمين العامّ السابق للأمم المتّحدة بطرس غالي خصوصًا بعد قرار الأمم المتّحدة بوقف العدوان الإسرائيليّ على جنوب لبنان بعد مذبحة قانا 1996 الشهيرة. فقد استخدمَ البيت الأبيض كلَّ أدواتِه الإعلاميّة في محاولة للنَّيل من شخص الأمين العامّ، كما استخدمت الخارجيّة الأمريكيّة جميع سفرائِها في العالم في محاولة إقناع دول مجلس الأمن بعدم التصويت لبطرس غالي. وفي هذا السياق سعَت الولايات المتّحدة وهي الدولة العظمى، بكلّ ما تملك من أدوات،
إلى منع التمديد لبطرس غالي المصريّ العربيّ لولاية ثانية، حيث كانت نتيجة التصويت 14 صوتًا مؤيدًا من أصوات مجلس الأمن، في مقابل صوت واحد معارض هو الصوت الأمريكيّ، وقد حاولت الولايات المتحدة تغيير نتيجة الاقتراع بالطرق كافة إلا أنها لم تفلح في ذلك، فاضطرَّت إلى استخدام حق النقض الفيتو في سابقة مشينة هي الأولى من نوعها في تاريخ الأمم المتّحدة. وفي تعليقها على ذلك ذكرت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت في مذكراتها “
تزايد استعدادي لأخذ المبادرة، وكان هذا ما فعلته في 1996 في سعيي إلى منع إعادة انتخاب بطرس غالي أمينًا عامًّا للمنظّمة الدولية لولاية ثانية تمتدّ خمس سنوات، وذلك أنّ خلافاتِنا مع الأمين العامّ كانت تتعمّقُ شهرًا بعدَ شهر، وكان بطرس غالي، فيما يخصُّ الصومال، أوّلَ من احتضنَ وآخرَ مَن تخلّى عن الإستراتيجيّة الفاشلة المتمثّلة بمواجهة عيديد. وفي رواندا اتخذ موقف اللامبالاة خلال الفترة المؤدّية إلى عمليّات الإبادة”.
وصفَت الصّحافة العربيّة الفيتو الأمريكيّ ضدّ الأمين العامّ السابق بأنّه وسامٌ على صدر بطرس غالي، وفي بلدان العالم الثالث اعتبرت الصّحف أنّه بمثابة رفض للديمقراطيّة.
دفعَ بطرس غالي ثمنَ انتمائِه العربيّ بحرمانِه من التجديد لولاية ثانية، على الرغم من التّمديد لكلّ الأمناء العامّين السّابقين لولاية ثانية، إلا أنّ الدكتور غالي هو الأمين العامّ الوحيد في تاريخ الأمم المتّحدة الذي تم إقصاؤُه بفيتو أمريكي وبضغوط صهيونيّة.
وختاماً تئنُّ الحروفُ وتخجلُ الكلمات في التعبير عمّا في داخلنا من ألم، ولا يسعُنا سوى أن نرضى بقضاء الله وقدرِه. رحلَ جسدُه لكنْ ستبقى روحُه معنا بمواقفِه ومبادئِه، ودماثِه خلقِه،
ومؤلّفاتِه وعلمِه، والمصريّون لن ينسوا أبدًا عميدَ الدبلوماسيّة العربيّة بطرس بطرس غالي … سيظلُّ هو الحقيقة وهو الأسطورة.

الرابط المختصر -الديوان:
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق