fbpx
الرأي

مصطفى زين يكتب : رهانات زعيمهم الملا مصطفى بارزاني

مثل كل الأقليات المتمسكة بهويتها في ظل الدول القومية، حاول الأكراد استغلال التناقضات بين دول الإقليم. استعانوا بأوروبا وبإيران الشاه في مواجهة العراق عندما كان شرطي الخليج في أوج قوته. رفضوا اتفاقية عام 1970((بيان 11 آذار) التي عرضتها عليهم بغداد وفيها اعتراف بحقوقهم القومية، وضمانات لمشاركتهم في الحكومة وتدريس لغتهم في المؤسسات التعليمية. لكن رهانهم على إيران وإسرائيل التي كانت تمدهم بالسلاح والتدريب، بالتنسيق بين «الموساد» و «السافاك»، دفعهم إلى رفض الاتفاقية بحجة أنها لا تنص على «حقهم» في كركوك وسنجار وخانقين (يطلق عليها الآن اسم المناطق المتنازع عليها). ورأت بغداد في ذلك تمرداً فصعدت حملتها العسكرية ضد «البيشمركة». وبقوا مصرين على موقفهم إلى أن وقع الشاه وصدام حسين (كان يومها نائباً للرئيس) «اتفاقية الجزائر» عام 1975 وأوقفت طهران دعمهم، وشنت القوات العراقية عليهم حملة واسعة النطاق، ما اضطر زعيمهم الملا مصطفى بارزاني للجوء إلى موسكو.

منذ حرب الخليج الثانية والأكراد بقيادة بارزاني الابن يراهنون على الموقف الغربي عموماً (أطلقوا على دانييل زوجة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران لقب أم الأكراد) والأميركي خصوصاً. واستغلوا محاصرة العراق خلال 13 سنة ليعززوا هذه العلاقات واضعين أنفسهم في خدمة دول الحصار، إلى أن كان الغزو وسقوط بغداد فتحالفوا مع الزعماء الشيعة برعاية أميركية ليؤسسوا «العراق الديموقراطي الاتحادي»، على ما جاء في دستور بريمر الذي قال في مذكراته إن «حل الجيش العراقي وإلغاءه جاء بطلب مباشر من مسعود. ثم بطلب من جلال (طالباني)» .

في ظل الاحتلال بنى الأكراد مؤسساتهم وحاولوا تجاوز خلافاتهم القبلية بين السليمانية وأربيل، أو بين البارازانيين والطالبانيين الذين يتهمون زعيم أربيل بأنه وعائلته يستأثرون بمعظم المناصب المهمة في الإقليم (هو الرئيس وابنه مسرور رئيس مجلس الأمن، ونجله الثاني منصور قائد في البيشمركة وابن أخيه نيجيرفان رئيس للوزراء)، ليس هذا فحسب فما من شركة تريد الاستثمار في كردستان تستطيع الحصول على ترخيص إذا لم يوافق الأبناء، على ما تؤكد صحف كردية ومسؤولون معارضون في كردستان.

مثل والده الذي راهن على إيران وإسرائيل، كان رهان رهانات مسعود بارزاني الأكبر على أميركا وصداقته مع أردوغان، فتحدى بغداد، ونسب الفضل في طرد «داعش» من نينوى إلى قوات «البيشمركة»، وأعلن غير مرة أنه لن يتنازل عن «شبر من الأراضي التي تم تحريرها بالدم»، زاعماً أن ديموقراطيته ستحمي الأقليات المسيحية والإيزيدية في المحافظة. وأكد أنه سيضم كركوك إلى الإقليم، بعدما طرد عشرات آلاف العرب والتركمان من المحافظة واستقدم أكراداً ليقطنوا في منازلهم، وأصر على مشاركة المحافظة و «المناطق المتنازع عليها» في الاستفتاء على الانفصال عن العراق. واستعد لإعلان «الاستقلال» كأن العراق دولة محتلة وليست شريكاً له في الحكم، كما أصر على تصدير نفط الإقليم من دون العودة إلى بغداد التي تخصص 17 في المئة من الموازنة العامة للإقليم. لكن رهانه لم يكن في محله. نصحه الأميركيون والأوروبيون والدول الإقليمية بعدم الإقدام على الاستفتاء فلم يستمع إلى نصائح أحد. رفض أي وساطة لحل خلافاته مع بغداد التي لم يكن أمامها سوى طرد «البيشمركة» من كركوك والمناطق الأخرى التي استولت عليها بالقوة، فوقع الرجل في فخ نصبه للحكومة المركزية. بعد الاستفتاء وما خلفه من تعقيدات، وبعد سيطرة الحكومة على كركوك و «المناطق المتنازع عليها» استقال بارزاني، بناء على نصيحة من البيت الأبيض، ليفسح المجال أمام زعيم آخر يخوض مفاوضات مع بغداد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مكاسب حققها الأكراد طوال السنوات الماضية فاختار ابن أخيه نيجيرفان وقباد طالباني نائباً له لقيادة المرحلة. لكن استجابته هذه النصيحة جاءت متأخرة، ففي داخل الإقليم شبه ثورة ضده، وحكومة العبادي ليست مهتمة بإنقاذه بعدما استعادت كركوك. بعد عشرات السنين كرر بارزاني أخطاء والده في اللعب على التناقضات الإقليمية والدولية فأوقع الأكراد في مأساة جديدة، فيما واشنطن وباريس وتل أبيب وطهران وأنقرة تقف على «الحياد».

نقلا عن صحيفة الحياة

زر الذهاب إلى الأعلى