تقارير وملفات

الاستثمار في الصناعات الإبداعية والترفيهية.. فريضة غائبة  

تقرير – محمد عيد:

ختام الدورة الذهبية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب بحضور نحو ٣ ملايين زائر.. المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية بالإمارات بمشاركة بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر.. توقيع رئيس الهيئة العامة للترفيه فيالسعودية تركي آل الشيخ، مذكرات تفاهم مع فنانين مصريين تشمل إقامة مسرحيات وعروض سينمائية في المملكةثلاثة أحداث في أسبوع واحد، قد لا يبدو من الوهلة الأولى أن بينها قاسما مشتركا، لكنبإمعان النظر يمكن أن تجد ذلك الرابط بسهولة، ألا وهو القوة الناعمة لمصر، ممثلة في حضورها الثقافي والفكري والديني والفني الكبير، والذي يتجاوز حدودها الجغرافية

كانت قوة مصر الناعمة سلاحا هائلا على مدى التاريخ، استخدمته بمهارة لصناعة تأثيرها على الساحتين الإقليمية والدولية، لكن ذلك التأثير تعرض للكثير من التصحر والجفاف على مدى العقود الماضيةلأسباب عديدة، بعضها سياسي، والكثير منها مرتبط بأولويات الدولة ومسارات التمويل

وبينما تكافح مصر حاليا لاستعادة بوصلة التأثير، وإعادة ترميم مكانتها، بعد سنوات قاسية، انكفأت فيها على ذاتها، وتثاقلت حركتها في كثير من الملفات بفعل مشكلاتها الداخلية، تأتي مثل تلك الأحداثالسابقة لتعيد تسليط الضوء على  مساحة مهمة من أدوار مصر التي يمكن تعزيزها وتفعيلها، وتحويل المبادرات والأعمال الفردية المحدودة إلى صناعة حقيقة ذات بعدين اقتصادي مادي، وآخر معنويمؤثر

فصناعة الفكر، قد تكون ساحة مناسبة لاستعادة مكانة القاهرة كميدان لإنتاج الثقافة العربية، بعد عقود من التراجع لصالح مدن ومراكز حضارية أخرى امتلكت الإمكانيات المادية التي مكنتها من التطور، لكنتلك الإمكانيات لم تستطع أن تشتري لتلك المدن والمراكز الجديد حضور القاهرة، وزخم ثقافتها، بل إن بعض مراكز صناعة الثقافة الجديدة مثل أبو ظبي والشارقة باتت أقرب للاستفادة من حضور القاهرة،وقد صار معروفا في أوساط المثقفين أن احتفالات توزيع جوائز الدورة الجديدة لجائزة الشارقة للإبداع العربي ستقام في القاهرة في أبريل المقبل.  

وبالتالي فإن بعض الإهتمام والتنسيق يمكن بسهولة أن يعيد للعاصمة المصرية كثيرا من بريقها الثقافي والحضاري، فضلا عن إضافة رافد جديد لتعزيز السياحة العربية والدولية، فمعرض الكتاب يمكن أنيكون عنصر جذب سياحي بنفس القدر الذي يمكن به اعتباره حدثا ثقافيا، المهم أن تكون لدينا القدرة على التسويق والتحرك الفعال

وفي نفس السياق يمكن الإشارة إلى اقتصاديات صناعة الترفيه بشكل عام، على اختلاف أنواعها وتشعباتها، فمصر كانت لعقود طويلة عاصمة صناعة المسرح والسينما والدراما التلفزيونية، فضلا عن مكانتها فيصناعة الغناء، وقد كانت تلك المجالات بمثابة دبلوماسية مصرية شعبية قوية التأثير وعميقة الحضور في الوجدان العربي، ورغم ما نال تلك الصناعة من مظاهر تراجع، إلا أن مصر لا تزال تمتلك القدرة علىالعودة إذا ما توافرت الإمكانيات المادية، وأتيحت الفرصة لنخب جديدة من المبدعين في تلك الصناعة

وإلى جانب ما يمكن أن تحققه تلك الصناعات الإبداعية والترفيهية من مكاسب لصناعها، فإنها يمكن أن تمثل أيضا موردا اقتصاديا واستثماريا إضافيا للدولة، سواء من خلال ما  تجذبه من استثمارات مباشرة،أو ما تحصله من ضرائب ورسوم، أو حتى من خلال توفير المزيد من فرص العمل، فتلك الصناعات الإبداعية – السينما على سبيل المثال – من الصناعات كثيفة العمالة، وبخاصة في حلقاتها الإنتاجية والفنيةالمتعددة، وهو ما يمكن أن يسهم في دعم جهود توفير العديد من فرص العمل

والحقيقة أن الأمر بحاجة إلى تخطيط شامل من جانب الدولة ومؤسساتها القائمة على صناعة الثقافة ورعاية الإبداع بجميع أشكاله، وتلك المؤسسات ينبغي أن تتخلى عن بيروقراطيتها العقيمة في التعامل معصناعات لا يمكن أن تنطبق عليها نفس قواعد الصناعات المادية الأخرى.

إغلاق