تقارير وملفات

الوظائف “التافهة” خطر اقتصادي يتصاعد

نقرير – محمد عيد:

أحيانا ينظر أصحاب الوظائف المرهقة أو التي تحتاج إلى جهد ذهني مكثف، أو تسبب ضغطا عصبيا، بعين الحسد إلى أولئك الذين يشغلون وظائف بسيطة لا تتطلب تقريبا أي جهد، مثل عامل الأسانسير، الذي لا يفعل شيئًا سوى الضغط على الزر والتحرك صعودًا وهبوطًا داخل هذا الصندوق الصغير، أو حارس متحف مهمته الجلوس لمدة سبع ساعات لحراسة غرفة فارغة، أو حتى موظف بالقطاع العام، لا يعمل سوى بضع دقائق في اليوم، وإذا غاب عن عمله لسنوات، فربما لن يلحظ أحد غيابه.

المدهش أن الاهتمام بتلك الوظائف لم يعد مقصورا على نظرة الحسد فقط، بل بات الأمر متعلقا بالنظرة إلى مستقبل الاقتصاد كله، ومدى تطوير الهياكل الوظيفية في ظل تمدد تلك الوظائف الهامشية، وقد دفع انتشار هذه الوظائف بشكل كبير ديفيد جريبر، أستاذ الأنثروبولوجيا بكلية لندن للاقتصاد، إلى كتابة مقال عام 2013 عن ظاهرة وظائف الهراء، وكانت مجرد فرضية، ولكنها أثارت الكثير من الجدل، وتوالت آلاف التعليقات من أشخاص يؤكدون أن وظائفهم أيضًا وظائف هراء لا جدوى منها.

وشجعت هذه الضجة جريبر على تطوير مقالته إلى كتاب، فطلب من متابعيه على “تويتر” إرسال قصصهم وتجربتهم بتلك الوظائف، كما اعتمد على استطلاعات آراء رسمية وأخرى قام بها بنفسه، حيث كان التساؤل :هل تعتقد أن الوظيفة التي تشغلها هي وظيفة تافهة؟، فكانت المفاجأة أن 37%من البريطانيين و40% من الهولنديين الذين تمّ استفتاؤهم أكدوا أن عملهم لا يؤدي أي مساهمة للعالم.. وتخيلوا لو امتد الاستطلاع إلى مصر، فكيف ستكون النتيجة؟! ويعدد جريبر في كتابه الأمثلة لقطاعات العمل التي يمكن أن توجد بها هذه الوظائف، فتطرق إلى قطاعات كالإدارة والمبيعات والخدمات، حيث موظفي الاستقبال الذين تنحصر مهمتهم في أحيان كثيرة في كونهم واجهة للشركة، وموظفي العلاقات العامة، والإداريين والاستشاريين، ومحامي الشركات، والمسوقين عبر الهاتف، الذين يتقاضون رواتب مقابل الجلوس والعمل بوظائف غير ضرورية، وهم يعرفون ذلك.

وقسم جريبر تلك الوظائف إلى 5 أنواع، كالتالي:

  1. الإمعة ومهمتهم تمكين الأشخاص الآخرين من الظهور بشكل جيّد، والمثال الأبرز على هذا موظف استقبال في مكان لا يحتاج حقًا لذلك، فهو يحصل على مكالمة هاتفية واحدة في اليوم، يمكن للمدير تلقيها بنفسه.
  2. الحمقى أو التابعون وهم يعملون في وظيفة ما لأن هناك أشخاصًا مثلهم، كما هو الحال في التسويق عبر الهاتف، أنت فقط في حاجة إليها إذا كان منافسوك لديهم نفس الوظائف، وينطبق ذلك أيضًا على محامي الشركات وموظفي العلاقات العامة.
  3. مُغلِقي الفراغات توظفهم الشركات لإزالة الأضرار الناجمة عن خطأ ما عوضا عن استئصال المشكلة من جذورها، مثل بعض الموظفين في خدمة العملاء الذين تنحصر مهمتهم في تهدئة العملاء الغاضبين، بدلا من فحص الشكاوى بجدية واستبعاد الموظفين المقصرين.
  4. ملصقو الصناديق وهم موجودون للتغطية على أخطاء مؤسساتهم عبر الإدعاء بأنها تقوم بأمور هي لا تقوم بها بالفعل. وأبرز الأمثلة عليها لجان تقصي الحقائق، تلك التي تُنشئها الحكومات إذا ما شعرت بالحرج من أمر ما.
  5. مانحو المهمات ويندرج تحت هذا النوع، الأشخاص الذين يأمرون موظفين آخرين بالقيام بمهمات ليست ضرورية، أو المشرفين على عمال لا يحتاجون لإشراف، كما هو الحال في الإدارة التنفيذية التي تكمن مهمتها في إرشاد عمال مهنيين يعلمون ماهية عملهم، عبر إخبارهم بما يجب أن يفعلوه، عن طريق عقد اجتماعات لا معنى لها، أو وضع أهداف يقوم الموظفون بالعمل نحو تحقيقها أصلًا.

وعلى الرغم من تفاهة ووهمية هذه الوظائف فإنها في أغلب الأحيان ذات أجور مرتفعة، أما الوظائف الحقيقية فعادة ما تكون ذات رواتب منخفضة، وكأن البشرية تعاقب أصحابها. ويشير الكتاب إلى أن انتشار هذه الوظائف كان أمرًا مبررًا في النظم الاشتراكية حيث البيروقراطية وسياسات التوظيف للجميع التي تتبعها الدولة، ولكن انتشارها بهذا الشكل في النظم الرأسمالية يتعارض مع نهجها النفعي والقاعدة العامة لها، القائمة على تحقيق أكبر أرباح ممكنة بأقل عدد من الموظفين.

ويحاول الكتاب تقديم تفسير علمي، فيوضح أن التطور العلمي والتكنولوجي الهائل أدى إلى انخفاض الاعتماد على العمالة في الزراعة والصناعة، ونمو قطاع الخدمات في كثير من دول العالم، وترتب على هذا زيادة نسبة العمالة عديمة الجدوى المُستوعبة داخل هذا القطاع.  كما يشير إلى أن الأمر لا يتعلق بالاقتصاد وحده بل تتداخل معه السياسة، فهذه الوظائف غير مربحة للاقتصاد العالمي، لكن الإبقاء عليها يضمن للنظام الحاكم البقاء والسيطرة، فالشعوب المنشغلة بما يشبه العمل هي حتما أقل ميلا إلى الانتفاض.

وليس أدل على ذلك من إجابة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عندما طُرح عليه سؤال بخصوص التخلص من نظام الرعاية الصحي الخاص واستبداله بنظام موحّد أكثر كفاءة سيوفر مليارات الدولارات فيما يتعلّق بالجانب الإداري فقط. فكانت إجابته: “إن توفير تلك المليارات يعني فقدان ملايين الوظائف كانت تُشغل في قطاع الرعاية الصحي الخاص”.

إغلاق